أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٨ - التنبيه الثاني خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء
و بالنسبة إلى العصاة و الكفّار نقول: إنّ التكليف تارةً يكون بداعي البعث، و اخرى بداعي إتمام الحجّة كما يدلّ عليه مثل قوله تعالى: «وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً» [١]، و تكليف العصاة و الكفّار من قبيل الثاني لا الأوّل.
و أمّا النقض بوجوب الاحتياط في الشكّ في القدرة، فيردّ بأنّ وجوب الاحتياط في هذه الموارد ليس من باب فعلية التكليف الكلّي غير المنحلّ و عدم انحلاله بعدد المكلّفين، بل من باب وجود خصوصيّة في المقام، حيث إنّ القدرة على الامتثال و إن كان حالها حال سائر القيود المأخوذة في فعلية التكاليف و لكن مع ذلك لا تجري البراءة في موارد الشكّ فيها لوجود قاعدة عقلائيّة هنا لأنّ بناء العقلاء في دائرة الموالي و العبيد العرفيّة على لزوم الفحص عن وجود القدرة و لزوم التصدّي للامتثال و عدم صحّة الاعتذار بمجرّد احتمال عدم القدرة، و هذا الأمر الارتكازي العقلائي بعد عدم الردع عنه من قبل الشارع بمنزلة قرينة متّصلة تمنع عن انعقاد الاطلاق في أدلّة البراءة لموارد الشكّ في التكليف الناشئ من الشكّ في القدرة، بل يمكن أن يقال: إنّه وارد عليها لانتفاء موضوع البراءة بعد ورود هذا البيان.
و على سبيل الفرض إذا قال المولى لعبده و خاطبه بخطاب شخصي بقوله: «اشتر الخبز من السوق» فشكّ العبد في وجود الخبز في السوق لكون اليوم يوم العطلة فلم يتفحّص عنه و اعتذر عند المولى بهذا الشكّ، أ ترى العقلاء يقبلون هذا العذر من هذا العبد، أو يوجبون عليه الفحص بالمقدار المتعارف؟
و أمّا نقضه بالأحكام الوضعيّة فيمكن الجواب عنه بأنّ الأحكام الوضعيّة تنحلّ بعدد موضوعاتها لا بعدد المكلّفين، فينحلّ حكم الشارع بطهارة الماء مثلًا في قوله ٧: «الماء كلّه طاهر» بعدد المياه الموجودة في سطح الأرض، و لا يخفى أنّه يكفي في عدم لزوم اللغويّة ابتلاء بعض المكلّفين بكلّ واحد منها، نعم لو فرض وجود بعض المياه في بعض الكرات من المنظومة الشمسيّة بحيث لا يبتلى بها أيّ مكلّف فعدم شمول الحكم الوضعي لها غير بعيد فلا تشملها أدلّة الطهارة و لا النجاسة.
[١] سورة الإسراء: الآية ١٦.