أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣٥ - الأمر الأوّل معنى الاجتهاد لغةً و اصطلاحاً
يتصدّ الاستنباط و لو في حكم واحد، و قال في توضيحه: «أنّ ملكة الاجتهاد غير ملكة السخاوة و الشجاعة و نحوهما من الملكات، إذ الملكة في مثلهما إنّما يتحقّق بالعمل و المزاولة كدخول المخاوف و التصدّي للمهالك، فإنّ بذلك يضعف الخوف متدرّجاً و يزول شيئاً فشيئاً حتّى لا يخاف صاحبه من الحروب العظيمة و غيرها من الامور المهام، فترى أنّه يدخل الأمر الخطير كما يدخل داره، و كذلك الحال في ملكة السخاوة فإنّ بالإعطاء متدرّجاً قد يصل الإنسان مرتبة يقدّم غيره على نفسه فيبقى جائعاً و يطعم ما بيده لغيره، و المتحصّل أنّ العمل في أمثال تلك الملكات متقدّم على الملكة، و هذا بخلاف ملكة الاجتهاد لأنّها إنّما يتوقّف على جملة من المبادئ و العلوم كالنحو و الصرف و غيرهما، و العمدة علم الاصول فبعد ما تعلّمها الإنسان تحصل له ملكة الاستنباط و إن لم يتصدّ للاستنباط و لو في حكم واحد» [١].
لكن الإنصاف أنّ هذا مجرّد فرض، فإنّ من المحالات جدّاً أن تحصل للإنسان ملكة الاستنباط بمجرّد تحصيل المبادئ و لو لم يتصدّ للاستنباط في حكم واحد، بلا فرق بينها و بين سائر الملكات، و إن شئت فاختبر نفسك من لدن الشروع في تحصيل علم الفقه و مبانيها فإنّك ترى لزوم الممارسة في تطبيق القواعد الاصوليّة على مصاديقها و ممارسة ردّ الفروع إلى الاصول في كثير من الكتب التي تدرس في الحوزات العلمية ككتاب مكاسب الشيخ و غيرها فإنّ طلّاب الفقه لا يقدرون على الاجتهاد حتّى في حدّ التجزّي بدون هذه الممارسات.
و الحاصل أنّه لا فرق بين علم الطبّ و علم الفقه و غيرهما من العلوم في لزوم الممارسة مدّة طويلة في تطبيق القواعد على مصاديقه و ردّ الفروع إلى اصولها في العمل حتّى تتمّ ملكة الاجتهاد فيها، بل من المحال عادةً حصول شيء منها بغير الممارسة العمليّة، فالعالم بقواعد العلوم إذا لم يكن ممارساً لها عملًا لا يقدر على الاجتهاد فيها قطعاً، و لو فرض قدرته عليه في بعض المسائل الساذجة فلا شكّ في عدم قدرته على الاجتهاد في المسائل الخطيرة المشكلة.
[١] التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج ١، ص ٢١، طبعة مؤسسة آل البيت.