أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٨ - المسألة الثالثة جواز القضاء للمجتهد المطلق
بقي هنا شيء:
و هو ما أفاده بعض الأعلام فيمن له ملكة الاجتهاد و لم يجتهد بالفعل، أو اجتهد شيئاً قليلًا، من عدم جواز الرجوع إليه في التقليد، و عدم نفوذ قضائه و تصدّيه للُامور الحسبيّة، من باب أنّ الأدلّة اللفظيّة المستدلّ بها على جواز التقليد من الآيات و الروايات أخذت في موضوعها عنوان العالم و الفقيه و غيرهما من العناوين غير المنطبقة على صاحب الملكة، و كذلك الحال في السيرة العقلائيّة، لأنّها إنّما جرت على رجوع الجاهل إلى العالم، و صاحب الملكة ليس بعالم فعلًا، فرجوع الجاهل إليه من قبيل رجوع الجاهل إلى مثله، هذا إذا لم يتصدّ للاستنباط بوجه، و أمّا لو استنبط من الأحكام شيئاً طفيفاً فمقتضى السيرة العقلائيّة جواز الرجوع إليه فيما استنبطه من أدلّته، فإنّ الرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى العالم، فإنّ استنباطه بقيّة الأحكام و عدمه أجنبيان عمّا استنبطه بالفعل، نعم قد يقال: إنّ الأدلّة اللفظيّة رادعة عن السيرة، إذ لا يصدق عليه عنوان الفقيه أو العالم بالأحكام، و لكن الإنصاف أنّ الأدلّة اللفظيّة لا مفهوم لها و إنّها غير رادعة.
هذا كلّه في جواز التقليد و عدمه، و أمّا نفوذ قضائه و عدمه فالصحيح عدم نفوذ قضائه و تصرّفاته في أموال القصر، و عدم جواز تصدّيه لما هو من مناصب الفقيه، و ذلك لأنّ الأصل عدمه، لأنّه يقتضي أن لا يكون قول أحد أو فعله نافذاً في حقّ الآخرين إلّا فيما قام عليه الدليل، و هو إنّما دلّ على نفوذ قضاء العالم أو الفقيه أو العارف بالأحكام أو غيرها من العناوين الواردة في الأخبار، و لا يصدق شيء من ذلك على صاحب الملكة [١]. (انتهى)
أقول: في ما أفاده مواقع للنظر:
أوّلًا: قد مرّ أنّ حصول ملكة الاجتهاد من دون ممارسة عملية مجرّد فرض لا واقع له خارجاً.
ثانياً: سلّمنا، و لكن لا إشكال في أنّ سيرة العقلاء لم تستقرّ على الرجوع إلى مثله، و لا أقلّ من عدم إحرازها.
ثالثاً: أنّه لم يبيّن الفرق في كلامه بين جواز التقليد و جواز التصدّي للقضاء في جريان
[١] التنقيح: ج ١، ص ٣٢، طبعة مؤسسة آل البيت.