أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨١ - أخبار التخيير
التسليم وسعك» حيث إنّه يستشمّ منه أنّ نفس التسليم في مقابل الأئمّة و سلوك الطريق الذي فتحوه أمامنا يكون ذا مصلحة.
و لكن هذا التعبير ورد في ثلاث روايات:
إحداها: مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري.
و ثانيها: ما رواه أحمد بن الحسن الميثمي عن الرضا ٧.
و ثالثها: مرسلة الكليني، و قد مرّ أنّ الأوّليين واردتان في المستحبّات و هى خارجة عن محلّ الكلام، و الثالثة مرسلة.
هذا- مضافاً إلى ما ورد في صدر بعضها (و هو رواية الميثمي) من لزوم أعمال المرجّحات أوّلًا: حيث إنّ أعمال المرجّح بين الخبرين إنّما يتصوّر فيما إذا كان خصوص أحدهما طريقاً إلى الواقع و أردنا تعيينه من بينهما بالمرجّح، و إلّا إذا كان لسلوك كلّ منها مصلحة فلا حاجة إلى ترجيح أحدهما على الآخر و الأخذ بخصوصه، فإذا كان الصدر كذلك يحمل عليه الذيل أيضاً، بل الإنصاف أنّ قوله «من باب التسليم» ليس له ظهور في السببيّة و إن كان له دلالة عليها، فهى في حدّ الإشعار، فلا تكون دليلًا على شيء.
و وجه الاحتمال الثالث: إنّا نعلم بصدور أحد الخبرين و صدقه، و لا إشكال في أنّ مقتضى القاعدة في موارد دوران الأمر بين المحذورين مع العلم بصدق أحدهما هو التخيير.
و فيه: أنّه مبنى على حصول العلم بصدور أحدهما، و أنّى لنا بإثباته؟
بل المفروض العلم بكذب أحدهما فقط، و أمّا الآخر فهو دليل ظنّي في نفسه يحتمل الكذب أيضاً، و قد عرفت أنّ أدلّة الحجّية لا تشمل شيئاً منهما بعد فرض التعارض.
الأمر الثاني: في أنّ التخيير في المقام واقعي أو ظاهري؟
فإن كان واقعياً كان نظير التخيير بين خصال الكفّارات و التخيير بين الحمد و التسبيحات الأربعة في الركعتين الأخيرتين، و إن كان ظاهرياً كان نظير التخيير بين الوجوب و الحرمة عند دوران الأمر بين المحذورين في الحكم الظاهري.
و الصحيح في ما نحن فيه هو الثاني، لأنّ المختار فيه هو مبنى الطريقيّة و العلم بكذب أحد الخبرين لأنّ المصلحة حينئذٍ لو كانت فإنّما هى في واحد منهما، فلا يتصوّر حينئذٍ التخيير الواقعي لأنّه إنّما يتصوّر فيما إذا وجدت المصلحة في كلّ من الأطراف.