أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٢ - أخبار التخيير
الأمر الثالث: في أنّ التخيير في المقام هل يكون في المسألة الاصوليّة، أو في المسألة الفقهيّة؟ و بعبارة اخرى: هل التخيير يكون للمجتهد فقط في اختيار الأدلّة، أو له و للمقلّد في العمل؟
قال شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله): «المحكي عن جماعة بل قيل أنّه ممّا لا خلاف فيه أنّ التعادل إن وقع للمجتهد في عمل نفسه كان مخيّراً في عمل نفسه، و إن وقع للمفتي لأجل الإفتاء فحكمه أن يخيّر المستفتي فيتخيّر في العمل كالمفتي ... (إلى أن قال): و يحتمل أن يكون التخيير للمفتي فيفتي بما اختار ... (إلى أن قال) و المسألة بعد محتاجة إلى التأمّل و إن كان وجه المشهور أقوى» انتهى.
و استدلّ لقول المشهور أي القول الأوّل بوجهين:
الأوّل: أنّ خطابات الأمارات عامّة تشمل المجتهد و المقلّد، إلّا أنّ المقلّد عاجز عن القيام بشروط العمل بالأدلّة من حيث تشخيص مقتضاها و دفع موانعها، فإذا ثبت للمجتهد جواز العمل بكلّ من الخبرين المتكافئين المشترك بين المقلّد و المجتهد تخيّر المقلّد كالمجتهد.
الثاني: إنّ إيجاب مضمون أحد الخبرين على المقلّد تعييناً لا دليل عليه، فهو تشريع محرّم.
و استدلّ للقول الثاني أوّلًا: بما ورد في مرفوعة زرارة قلت: «إنّهما معاً موافقان للاحتياط و مخالفان فكيف أصنع؟ فقال ٧: إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر» حيث إنّه وارد بعد اعمال المرجّحات و لا إشكال في أنّه من عمل المجتهد لا المقلّد مضافاً إلى أنّ قوله: «فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر» كالصريح في اختيار أحد الحجّتين و رفض الآخر، و ليس ذلك إلّا للمجتهد.
و بعبارة اخرى: لم يخيّره الإمام بين مضمون الخبرين بل أمره بالأخذ بأحد الدليلين تخييراً.
و ثانياً: بأنّ التخيير حكم للمتحيّر و المتحيّر، إنّما هو المجتهد لا المقلّد.
أقول: الأولى في المقام ملاحظة روايات التخيير، و لا إشكال في أنّها ظاهرة فيما ذهب إليه المشهور فإنّ من جملتها ما رواه سماعة عن أبي عبد الله ٧ «قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه عنه كيف