أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٨٢ - الأمر السابع تبدّل رأي المجتهد
لكن موارد تبدّل رأي المجتهد ليست من هذا القبيل غالباً لأنّ ما يتبدّل عند المجتهد في غالب الموارد إنّما هو الأمارات الظنّية المعتبرة، كما أنّ رجوع المقلّد إلى مجتهد آخر أيضاً ليس من هذا القبيل أصلًا، لأنّ الحجّة عنده إنّما هو قول المجتهد و هو أمارة ظنّية عقلائية أمضاها الشارع المقدّس.
و المهمّ في المقام هو ما إذا كانت فتوى المجتهد على أساس أمارة شرعية و كان المبنى في حجّية الأمارات، الطريقيّة (كما هو الحقّ)، و حينئذٍ يستدلّ للإجزاء بوجوه عديدة:
الوجه الأوّل: (و هو العمدة) إنّ إطلاقات أدلّة حجّية الأمارات لا تشمل الأعمال السابقة التي أتى بها المكلّف وفقاً لأمارات كانت حجّة عليه حين العمل، و بعبارة اخرى: إنّ أدلّة حجّية الأمارات و إن كانت مطلقة من حيث الزمان، و لكنّها منصرفة إلى زمان الحال و الاستقبال، و لا تشمل ما عمل سابقاً على وفق أمارة اخرى، أي أنّ القدر المتيقّن منها إنّما هو الحال و المستقبل، كما أنّه كذلك في الأمارات العرفيّة، فمن أعطى دراهم بيد وكيله، و أمره بأن يتّجر بها أحسن التجارة و أنفعها، و الوكيل لا يعلم ما هو أنفعها و أحسنها فيعتمد فيها على قول الخبرة، و يسأل زيد الخبرة عنها مثلًا، فيعمل على وفق رأيه، ثمّ بعد مضيّ زمان يسأل عن عمرو الخبرة نفس ذلك، فيجيبه بما يخالف رأي زيد، فحينئذٍ هل يكون معنى حجّية كلام عمرو إبطال جميع العقود السابقة لأنّه لم يكن وكيلًا في ابتياع غير الأنفع، فالعقود الواقعة عليها فضوليّة، أو أنّ القدر المتيقّن منها إنّما هو بالنسبة إلى الحال و الاستقبال؟ لا إشكال في أنّ وجداننا العرفي يحكم بالثاني.
و على أي حال: لا اطلاق في الاجتهاد الثاني حتّى يعمّ الواقعة السابقة، و لا أقلّ من الشكّ في ذلك، و لعلّ هذا هو مراد من قال (و هو صاحب الفصول و غيره): «الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين»، و لعلّه هو العلّة للسيرة المدّعاة في كلمات بعضهم على عدم إعادة الأعمال السابقة (و كون الإعادة أمراً مستغرباً في أذهان أهل الشرع بأن يعمل بفتوى مجتهد عشرات سنة، ثمّ بعد تبدّله أو تقليد مجتهد آخر يعيد جميع أعماله التي عملها في هذه السنوات، و كذلك فيما بعده من تبدّلات الرأي، و لعلّه أيضاً المصدر الوحيد لما ادّعى من الإجماع في المسألة، و لا أقلّ في العبادات.
و إن شئت قلت: الإجماع المدّعى و السيرة المستمرّة التي وردت في كلمات بعضهم- و لا