أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٢ - التفصيل بين الشبهات الحكميّة و الشبهات الموضوعيّة
و منها: أنّهم ظنّوا أنّها روايات خاصّة وردت في أبواب معيّنة لا يمكن الاستدلال بها على العموم، و إنّ اللام في اليقين و الشكّ إشارة إلى العهد لا الجنس، كما مرّ احتماله سابقاً، فمن هنا تركوا الاعتماد على هذه الروايات و رجعوا إلى بناء العقلاء، و قد ثبت في محلّه أنّ إعراض المشهور عن الدلالة غير ضائر في الحجّية.
التفصيل بين الشبهات الحكميّة و الشبهات الموضوعيّة:
ثمّ إنّه هل المستفاد من هذه الأدلّة حجّية الاستصحاب في خصوص الشبهة الموضوعيّة، أو إنّها تعمّ الشبهات الحكميّة أيضاً؟
ذهب إلى الثاني جميع المتأخّرين، و ذكر أنّ الأمين الاسترابادي في بعض كلماته أنّ أحداً من القدماء الماضين (قدّس اللَّه أسرارهم) لم يقل بهذا العموم، فلم يستندوا إلى الاستصحاب في بقاء حلّية العصر العنبي مثلًا بعد الغليان، و بقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه.
و الصحيح هو الأوّل كما ذهب إليه بعض أعاظم العصر (قدّس اللَّه سرّه)، و إن كان دليله الذي أقامه على الانحصار غير تامّ (كما سيأتي بيانه و بيان المناقشة فيه).
دليلنا عليه أمران:
أحدهما: أنّه قد مرّ أنّ أساس الاستصحاب إنّما هو سيرة العقلاء، و هى جارية في خصوص الشبهات الموضوعيّة، و أمّا الشبهات الحكميّة فإن كان الشكّ فيها في نسخ قانون و عدمه فلا ريب في أنّهم يتمسّكون باستصحاب عدم النسخ أيضاً، و أمّا إذا لم يكن منشأ الشبهة النسخ، بل شكّ في بقاء الحكم و عدمه، و لم يكن هناك عموم أو اطلاق، كما إذا جعلت زكاة على العنب و بعد تبدّله إلى الزبيب شكّ في بقائه مثلًا (مع فرض كون وصف الزبيبيّة من الأوصاف لا من المقوّمات) فإنّ العقلاء لا يعتمدون في مثل هذه الموارد على استصحاب بقاء ذلك الحكم.
ثانيهما: أنّ الوجدان حاكم على أنّه لو عشنا نحن في عصر صدور أخبار الاستصحاب مكان زرارة لم نشكّ في وجوب الفحص عن الحكم في الشبهات الحكميّة بالسؤال عن الإمام ٧، و لم نحتمل جواز التمسّك بالاستصحاب بمجرّد الشكّ في بقاء حلّية العصر العنبي بعد