أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩ - الثالث دليل العقل
الضرر المحتمل، فتكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على قاعدة دفع الضرر عكس ما توهّمه المستشكل.
هذا- و هنا جواب آخر في كلمات المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو «أنّ حكم العقل بلزوم دفع المقطوع و المظنون و المحتمل من الضرر يكون للإرشاد لا يستتبع حكماً مولوياً شرعياً على طبقه لأنّ حكم العقل في باب العقاب الاخروي واقع في سلسلة معلولات الأحكام، و كلّ حكم عقلي وقع في هذه السلسلة لا يستتبع الحكم المولوي الشرعي و ليس مورد القاعدة الملازمة و إلّا يلزم التسلسل، فحكم العقل بلزوم دفع الضرر المظنون بل المحتمل يكون إرشادياً و طريقياً لا يترتّب على مخالفته سوى ما يترتّب على المرشد إليه» [١].
و إن كان المراد من الضرر العقاب الاخروي بالمعنى الثاني فاجيب عنه بأنّ هذه الآثار ليست مترتّبة على نفس الأعمال بل إنّها تترتّب على الإطاعة و العصيان لا غير، و الأفعال الطبيعيّة التي لم توجب إطاعة أو معصية و بعداً أو قرباً لا أثر لها من هذه الجهة.
و إن اريد بالضرر الضرر الدنيوي فاجيب عنه أيضاً بأنّ الكبرى و الصغرى كلتيهما ممنوعتان:
أمّا الكبرى: فلأنّه ليس كلّ ضرر ممّا يحكم العقل بلزوم دفعه بل هناك أضرار طفيفة يتحمّلها العقلاء لأجل أغراض دنيوية غير ضرورية و إن كان الضرر من المقطوع فضلًا عن المحتمل.
و أمّا الصغرى: فلأنّه ليس مناطات الأحكام دائماً هى الضرر بل المصالح و المفاسد (التي تكون مناطات الأحكام غالباً) لا تكون من سنخ الضرر، و الذي يلازم احتمال الحرمة إنّما هو احتمال المفسدة لا احتمال الضرر، و لا ملازمة بين الضرر و المفسدة، بل ربّ مفسدة توجب المنفعة فضلًا عن الضرر كما في أكل الربا، و ربّ مصلحة توجب الضرر فضلًا عن المنفعة كما في الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى.
لكن الإنصاف أنّ الكبرى و الصغرى كلتيهما تامّتان في الجملة لا بالجملة:
أمّا الكبرى: فلأنّ الأضرار الدنيويّة على قسمين: مهمّة و غير مهمّة، و العقل يحكم فيما إذا
[١] فوائد الاصول: ج ٣، ص ٢١٧، طبع جماعة المدرّسين.