أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٩ - الأمر السادس جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف من دليل العقل و عدمه
هنا شقّ ثالث، و ما قد يقال من «أنّ الاستصحاب عرش الاصول و فرش الأمارات» كلام شعري.
و أمّا ما أفاده (رحمه الله) من أنّ الإحراز في باب الاصول المحرزة غير الإحراز في باب الأمارات إلى آخر ما ذكره فهو أيضاً ممّا لا يرجع إلى محصّل، فإنّ الإحراز العملي تعبير يوهم التناقض فإنّ الإحراز لا يكون في مقام العمل، و إنّما الإحراز في مقام العلم و الظنّ، و الموجود في مقام العمل ليس إلّا البناء على أحد الطرفين، فحينئذٍ لا فرق بين الاستصحاب و غيره من الاصول بناءً على عدم كشفه عن الواقع.
و أمّا قاعدة الفراغ و التجاوز فسيأتي إن شاء اللَّه تعالى من الأمارات و إن كانت متأخّرة عن أمارات اخر، كما أنّ البيّنة مقدّمة على اليد و إن كانت كلتاهما من الأمارات.
و ما قد يقال من أنّ لازم ذلك كون مثبتات قاعدة الفراغ حجّة مع أنّ ظاهرهم عدم الالتزام به مدفوع بأنّ حجّية مثبتات الأمارات مقيّدة بقيود خاصّة ستأتي الإشارة إليها إن شاء اللَّه عن قريب.
الأمر السادس: جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستكشف من دليل العقل و عدمه
فلو كشفنا حرمة المخدّرات مثلًا من حكم العقل، أي بقانون الملازمة فهل يصحّ استصحابه فيما إذا شككنا في بقائها في الزمان اللاحق، أو لا؟
ذهب شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) إلى عدمه، من باب أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة من حيث مناط الحكم، فلا يشكّ العقل حينئذٍ في حكم نفسه، فلا بدّ و أن يرجع الشكّ في بقاء المستصحب و عدمه إلى الشكّ في موضوع الحكم، و الموضوع لا بدّ أن يكون محرزاً معلوم البقاء في الاستصحاب.
و بعبارة اخرى: أنّ الحكم العقلي موضوعه معلوم تفصيلًا للعقل الحاكم به فإن أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكماً قطعيّاً كما حكم أوّلًا، و إن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم، فلا يعقل تطرّق الاهمال إلى موضوعه.