أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٨ - الأمر الثاني ميزان التعدى من المرجّحات المنصوصة و عدمه
تلك المرجّحات المخصوصة واحداً بعد واحد كي يحتاج السائل إلى إعادة السؤال مرّة بعد مرّة.
هذا- مضافاً إلى أنّه لو وجب التعدّي لم يأمر الإمام ٧ في آخر المقبولة بعد ما فرض السائل تساوي الطرفين في جميع ما ذكر من المرجّحات المنصوصة بالأرجاء حتّى تلقى إمامك، بل كان يأمره بالترجيح بسائر المرجّحات الموجبة لأقربية أحدهما إلى الواقع.
هذا كلّه في الأمر الأوّل.
الأمر الثاني: ميزان التعدى من المرجّحات المنصوصة و عدمه
بناءً على جواز التعدّي من المزايا المنصوصة هل يتعدّى إلى خصوص المزيّة الموجبة للأقربية إلى الواقع (أي الظنّ بالصدور) أو الموجبة لأقوائيّة المتن و المضمون (أي الظنّ بمطابقة المحتوى للواقع) أو يتعدّى إلى كلّ مزيّة للخبر و لو لم يوجب الأقربيّة أو الأقوائيّة؟
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى الثاني استناداً إلى ما ادّعاه من أنّ المزايا المنصوصة على ثلاثة أقسام: قسم منها يوجب الأقربيّة إلى الواقع، و هو الأصدقية و الأوثقية و مخالفة العامّة، و قسم منها يوجب الأقوائيّة في المضمون، و هو موافقة الكتاب، و قسم ثالث لا يوجب شيئاً منهما كالأورعيّة و الأفقهيّة، فإذا كان في المزايا ما لا يوجب شيئاً من الأقوائيّة و الأقربيّة فلا وجه للتعدّي إلى خصوص ما يوجب إحداهما بل نتعدّى إلى كلّ مزية و لو لم تكن موجبة لإحديهما أصلًا.
و لكن الصحيح رجوع جميع المزايا إلى الأقربيّة إلى الواقع، أمّا ما يوجب أقوائيّة المضمون فلأنّه إذا كان مضمون أحد الخبرين أقوى من الآخر- كما إذا كان مطابقاً لكلام اللَّه تعالى- لكان موجباً لأقوائيّة الظنّ بصدوره عن المعصوم أيضاً، و لذلك قد يجعل علوّ مضامين الأحاديث دليلًا على صحّة صدورها كما ذكره شيخنا الأنصاري (رحمه الله) في بعض كلماته في حديث «و أمّا من كان من الفقهاء ...» فقال: «إنّه يلوح منه آثار الصدق» و كما أنّ بعض أساتيذنا العظام (و هو المحقّق البروجردي (رحمه الله) أيضاً كان يستدلّ على أقربيّة صدور أدعية الصحيفة السجّادية الشريفة بقوّة محتواها و علوّ مضامينها، و كما يقال ذلك في خطب نهج البلاغة و رسائله و أنّ علوّ مضامينها يدلّ على صدورها عن الإمام ٧ و إن كان كثيراً منها من المراسيل.