أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٧٧ - و أمّا القسم الثاني و هو التصويب المعتزلي
أيّة مفسدة، بل إنّه موجب لازدهار علم الفقه و الاصول، و تطوّره و تقدّمه باستمرار، و ذلك أوّلًا: لاعتبارهم كون مرجع الفتوى للناس أعلم الفقهاء الأحياء، و ثانياً: أنّ اجتهادهم- كما مرّ تعريفه- مبنيّ على أساس النصوص و ضوابط خاصّة مستفادة من النصوص أيضاً، لا على القياس و الاستحسانات الظنّية و أشباهها ممّا لا تندرج تحت ضابطة معيّنة.
و بالجملة، أنّ نتيجة القول بالتصويب- بما أنّه يستبطن سدّ باب الاجتهاد- هى ركود علم الفقه و عدم تكامله فإنّ القائل به لا يرى في الآراء الفقهيّة الصادرة خطأً حتّى يرى نفسه ملزماً بالتحقيق و التتبّع و يتعب نفسه للحصول على ما هو الواقع الحقّ بخلاف القول بالتخطئة، فإنّ القائل به يبذل جهده لتحصيل ذلك الحكم الواحد الواقعي، و لازمه التفكّر العميق و التدبّر الواسع و إعمال كمال الدقّة للظفر بالحقّ و العثور على الواقع.
هذا كلّه في القسم الأوّل من التصويب.
و أمّا القسم الثاني: و هو التصويب المعتزلي
(و هو أنّ للَّه في كلّ واقعة حكماً و لكن لمن وصل إليه الخطاب، و أمّا من لم يصل إليه الخطاب فلا حكم في حقّه، بل تصل النوبة حينئذٍ إلى تقنين الفقيه) فهو أيضاً باطل بكلتا مقدّمتيه، لأنّ القول بأنّ الأحكام مخصوصة للعالمين فقط مخالف لظاهر جميع أدلّتها، فإنّ مثل قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و قوله تعالى: «إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً» عامّ للجاهل و العالم، و ليس العلم مأخوذاً في موضوعه، بل العلم طريق إليه، و لو سلّمنا اختصاص الأحكام بالعالمين فلا دليل أيضاً على إعطاء حقّ التقنين بيد الفقيه كما مرّ في نظيره (التصويب الأشعري).
و أمّا القسم الثالث: و هو التصويب المبني على القول بسببيّة الأمارات.
ففيه أيضاً: أنّه لا دليل على سببيّة الأمارات فإنّ ظاهر أدلّتها هو الطريقيّة كما مرّ بيانه في محلّه، فإنّا قد قلنا هناك أنّ قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ» مثلًا بمعنى «فاسألوا حتّى