أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٧٦ - ٢- المفاسد المترتّبة على القول بالتصويب
في يومنا هذا، كما أشرنا إليه سابقاً في أوائل مبحث الاجتهاد و التقليد في الأمر الثاني (حيث إنّ أمر التشريع فيها إنّما هو بيد جماعة تسمّى بشورى التقنين لا فرد فرد من علمائهم و متخصّصيهم، و هم يضعون لقطر من أقطار الأرض، و الواضعون جماعة كثيرة من العقلاء، مندوبون عن الجماهير، بخلاف القول بالتصويب، لأنّهم قد يكون في بلد واحد، أو قرية من القرى مجتهدون متعدّدون، و يكون لكلّ واحد منهم رأي و تقنين على حسب ظنّه الشخصي).
و هذا هو الذي سبّب انسداد باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع من ناحية زعماء القوم بعد ما أحسّوا خطراً عظيماً، و هو اضمحلال الدين و هدم نظام الامّة، لاختلاف الآراء جدّاً، فحدّدوها في الأربعة المعروفة، و سدّوا باب الاجتهاد على السائرين.
و قد أشار إلى هذا المعنى في خلاصة التشريع الإسلامي فقال: إنّ سدّ باب الاجتهاد نشأ من أربعة عوامل:
الأوّل: توجّه العلماء إلى المسائل السياسيّة و انغمارهم فيها، و تخلّفهم عن المسائل العلميّة الفقهيّة، فاضطرّوا إلى القول بأنّ المجتهد و القادر على الاستنباط هم العلماء الأوّلون فحسب.
الثاني: تحزّب المجتهدين و دخول كلّ واحد منهم في حزب و خطّ سياسي خاصّ فكان ينبغي على كلّ حزب الحصول على دليل من الروايات و الآيات على حقّانية حزبه.
الثالث: تحاسد العلماء و ظهور تصرفات سيّئة قبيحة في سلوكيات بعضهم حيث يتشبث بكلّ وسيلة دنيئة لتسقيط من انتهى إلى رأي جديد و نظر حديث في مسألة باجتهاده و العمل على تشويه سمعته و تزييف آرائه و لهذا لم يجترئ أحد على الاجتهاد و الاستنباط لئلا يقع في معرض تحاسد الآخرين.
الرابع: معالجة الفوضى الفقهيّة بالجمود و سدّ باب الاجتهاد [١] (انتهى كلامه).
أقول: الأهمّ من هذه الوجوه هو الوجه الأخير، فإنّ القول بالتصويب أوجب الوقوع في فوضى عظيمة، و بالتالي أوجب سدّ باب الاجتهاد، و تسبب في فقر فقهي شديد في المسائل المستحدثة، و لذلك رجع بعضهم في الأزمنة الأخيرة، و اعتقد بفتح باب الاجتهاد.
هذا- بخلاف الإماميّة التابعين لمكتب أهل البيت : فلا يترتّب على قولهم بالانفتاح
[١] راجع خلاصة التشريع الإسلامي: ص ٣٤١.