أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٣ - المقام الثاني في أدلّة المسألة
الوجوب فلا بأس به لأنّ المعتبر دلالته على رجحان الفعل و ترتّب الثواب فيصير بضميمة أخبار من بلغ دليلًا على الاستحباب.
هذا كلّه هو ما اورد على أخبار من بلغ من الإيرادات حيث كان الأوّل منها إيراداً من ناحية السند و الباقي من ناحية الدلالة، و كان أهمّها الذي لا يمكن الجواب عنه، هو الإشكال الثاني و حينئذٍ لا يمكن التمسّك بهذه الأخبار لإثبات استحباب ما أمرت به الأخبار الضعاف، فلا يجوز الفتوى بالاستحباب بل لا بدّ أن يقيّد بلزوم إتيان العمل بقصد الرجاء، و بهذا يسقط كثير من المستحبّات الواردة في كتب الفتوى و الرسائل العمليّة، فاللازم الإتيان بها بقصد الرجاء لا الورود، إلّا إذا كان دليلها الأخبار المعتبرة لا الضعاف.
ثمّ إنّه لو سلّمنا دلالتها على الاستحباب فليس مفادها حجّية الخبر الضعيف بعنوان مسألة اصوليّة بحيث يكون مثل قوله ٧: «ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان» بل إنّ مفادها مجرّد إعطاء قاعدة كلّية فقهيّة و هى استحباب العمل بعنوان ثانوي و هو عنوان البلوغ.
و الفرق بين الأمرين يظهر في بعض الفروع نظير ما مثّل به الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في رسائله من غسل المسترسل من اللحية في الوضوء، فالحكم باستحبابه من باب دلالة خبر ضعيف عليه لا يوجب جواز المسح ببلله لأنّ المسح لا بدّ من أن يكون من بلل الوضوء، و لا يصحّ ببلل ما ليس منه و لو كان مستحبّاً فيه إلّا إذا ثبت كونه جزءاً مستحبّاً من الوضوء بدليل معتبر، فلا إشكال حينئذٍ في جواز المسح به.
أضف إلى ذلك كلّه خروج هذه الأخبار عن محلّ النزاع (و هو تصحيح العبادة الاحتياطيّة) لأنّه إمّا أن تكون أخبار من بلغ كافية لإثبات الاستحباب الشرعي أو لا، و في كلا الحالين يكون البحث عنها خارجاً عن محلّ النزاع، أمّا على الأوّل فلأنّ محلّ البحث في المقام ما إذا لم يكن في البين حجّة على الوجوب أو الاستحباب و اريد الاحتياط، فلو كانت هذه الأخبار كافية لإثبات الحجّية للخبر الضعيف فلا معنى لإتيان العمل بقصد الاحتياط كما لا يخفى.
و أمّا على الثاني فلأنّ المفروض في محلّ الكلام عدم كفاية قصد الرجاء مع أنّ مقتضى التعبير الوارد في هذه الأخبار لزوم قصد الرجاء في هذه الموارد، فلا فائدة في الاستناد إلى أخبار من بلغ لما هو محلّ البحث.