أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٧ - نقد سائر الأقوال
كما ذهب إليه الشيخ الأعظم (رحمه الله) أو كناية بلسان نفي الموضوع كما اختاره المحقّق الخراساني (رحمه الله) فأورد عليهما:
أوّلًا: أنّ المجاز أو الكناية مخالف للظاهر.
و قد أجاب الشيخ (رحمه الله) عن هذا بأنّه لا مخلص من الالتزام به بعد تعذّر الحمل على الحقيقة (لعدم إمكان انكار وجود الضرر في الخارج، نظير النسيان في حديث الرفع) و لزوم الرجوع إلى أقرب المجازات، بل حاول المحقّق النائيني (رحمه الله) إثبات أنّ مقالة الشيخ لا يلزم منها المجاز لأنّ النفي في المقام و أشباهه من حديث الرفع و قوله ٧: «لا صلاة إلّا بطهور» و غيرهما محمول على معناه الحقيقي بالنظر إلى عالم التشريع.
و حاصل ما أفاده في توضيح ذلك: إنّ الأحكام التكليفيّة و كذا الوضعيّة أمرها بيد الشارع إن شاء رفعها و إن شاء وضعها، فالنفي إذا تعلّق بحكم شرعي كان نفياً حقيقيّاً لارتفاعه واقعاً في عالم التشريع، هذا بالنسبة إلى النفي، و أمّا اطلاق الضرر على الأحكام المستلزمة له فهو أيضاً حقيقي، لأنّ اطلاق المسبّبات التوليديّة كالإحراق على إيجاد أسبابها شائع ذائع، فمن ألقى شيئاً في النار يقال: إنّه أحرقه، قولًا حقيقيّاً، و حينئذٍ نقول: كما أنّ الشارع إذا حكم بحكم شرعي وضعي أو تكليفي يوجب الضرر على المكلّفين يصدق أنّه أضرّ بهم و ليس هذا اطلاقاً مجازياً، فكذا إذا نفاه يصدق عليه أنّه نفى الضرر عنه، نعم لو كانت الأحكام الشرعيّة من قبيل المعدّات للضرر لا من قبيل الأسباب، أو كان من قبيل الأسباب غير التوليديّة كان إسناد الضرر إلى من أوجدها إسناداً مجازياً، و لكن الأحكام الشرعيّة ليست كذلك بل حكم الشارع بالنسبة إلى محيط التشريع كالسبب التوليدي لا غير، أمّا في الأحكام الوضعيّة فواضح، و أمّا في الأحكام التكليفيّة فإسناد الاضرار فيها إلى الشارع إنّما هو بملاحظة داعي المكلّف و إرادته المنبعثة عن حكم الشارع، ففي الحقيقة الحكم التكليفي سبب لانبعاث إرادة المكلّف و هى سبب للفعل، فهو أيضاً من سنخ الأسباب التوليدية [١]. (انتهى).
و ربّما يرد عليه: بأنّ الأحكام الإلهيّة ليست عللًا توليديّة لأفعال المكلّفين، و ذلك لتخلّل إرادة المكلّف بينهما، و الإرادة مستندة إلى الاختيار و معلولة له، و أمّا الأحكام فهى من قبيل
[١] راجع رسالة المحقّق النائيني (رحمه الله) في لا ضرر (المطبوعة في منية الطالب: ج ٢، ص ٢٠١- ٢٠٨).