أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٠٤ - ٢- تقليد الأعلم
و الظواهر عند العرف، أو من هو أعلم في علم الرجال، أو من هو أدقّ نظراً من غيره، أو جميع هذه؟) أولًا، و معرفة مصاديقه ثانياً، مشكل جدّاً لتلامذة الأعلام المجتهدين فضلًا عن العوام المقلّدين، و لذلك يجاب غالباً عند السؤال عن الأعلم» ب «أنّي لا أعرف مصداق الأعلم و لكن فلان يجوز تقليده» أو «كلّ واحد من فلان و فلان يجوز تقليده».
و الجواب عنه: أوّلًا المنع عن الكبرى فإنّه لا عسر و لا حرج في تعيين مفهوم الأعلم لأنّ المراد منه «من يكون أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة، و أكثر اطّلاعاً لنظائرها و أشباهها، و أجود فهماً للأخبار الواردة فيها، و الحاصل أن يكون أجود استنباطاً» و قد ذكر هذا التعريف المحقّق اليزدي في العروة الوثقى في المسألة ١٧، و لم يعلّق عليه أحد من المحشّين فيما رأينا.
توضيح ذلك: أنّ الأعلم في علم الطبّ مثلًا من هو أحسن معالجة للأمراض و أدقّها في دواء الداء، و الأعلم في البناء من هو يقدر على بناء أحسن الأبنية من دون فرق بين أن يكون تلميذاً أو استاذاً، فربّ تلميذ يكون أعلم من استاذه، كما لا فرق بين أن يكون شاباً أو كهلًا، فربّ مجتهد شابّ يكون أعلم من الشيخ الهرم و إن كان الشيخ أكثر حنكاً و تجربة و أكثر تسلّطاً على إعمال المصطلحات و استخدام القواعد، فإنّ المعيار هو شدّة القوّة و القدرة على استخراج الأحكام الشرعيّة من أدلّتها.
نعم، إنّ تشخيص مصداق هذا المعنى مشكل جدّاً، و لكنّه فيما إذا كان البُعد و المسافة بين الأفراد قصيرة، أمّا إذا كانت التفاوت العلمي بينهم كثير فلا عسر و لا حرج في تشخيص الأعلم و تعيينه، كما أنّه كذلك في باب الطبابة و غيرها.
و ثانياً: سلّمنا وجود العسر و الحرج فيه، و لكن قد ذكرنا في محلّه أنّ الحرج في بابه شخصي لا نوعي، فوظيفة تعيين الأعلم تسقط عن كلّ من يقع في العسر و الحرج لا عن الجميع.
كما أنّه كذلك في باب الوضوء و الصيام و نحوهما، فإذا لم يكن التوضّي بالماء لشخص زيد حرجاً، لم يسقط عنه و إن كان لغيره حرجاً و مشقّة.
و ثالثاً: إنّ أكثر ما يلزم من العسر و الحرج إنّما هو التخيير بين عدّة من المجتهدين الذين هم في مظنّة الأعلميّة، لا أن يسقط اعتبارها برأسها، فيجوز تقليد غيرهم من آحاد المجتهدين و إن كانوا بمكان بعيد من الأعلميّة.