أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٦ - التنبيه الثامن عشر النسبة بين الاستصحاب و سائر الاصول العمليّة
موارد الشبهات البدوية أيضاً به، لما مرّ هناك من أنّ مقاصد المولى لا تكون أقلّ أهمية من مقاصد العبد نفسه، فكما أنّ العقل يحكم بالاحتياط فيما إذا احتمل العبد كون هذا الطعام مثلًا مضرّاً ضرراً معتدّاً به حفظاً لمقاصده الشخصية، كذلك يحكم به فيما إذا احتمل كون هذا الشيء مبغوضاً لمولاه.
و على هذا فالاصول العقليّة اثنان لا ثلاثة، نعم إنّ بناء العقلاء قام على البراءة، فلا يؤاخذون العبيد و المأمورين بشيء قبل البيان الواصل إليهم، و قد أمضاه الشارع أيضاً.
و لكن لا يخفى أنّه ليس فارقاً فيما هو المهمّ في المقام، لأنّ موضوع البراءة سواء كانت عقليّة أو عقلانيّة هو عدم البيان، و بعد قيام الاستصحاب يتبدّل عدم البيان إلى البيان.
و كيف كان، لا إشكال في أنّ الاستصحاب وارد على الاصول العقليّة لأنّ موضوعها يرتفع به، أمّا البراءة العقليّة (أو العقلائيّة) فلما عرفت آنفاً، و أمّا الاحتياط العقلي فلأنّ موضعه عدم الأمن من العقوبة فيما إذا علم إجمالًا بخمريّة أحد الإنائين مثلًا، و مع استصحاب خليّة أحدهما ينحلّ العلم الإجمالي من أصله و يحصل الأمن من العقاب، و هكذا في التخيير العقلي، فإنّ موضوعه عدم الترجيح بين المحذورين و الاستصحاب مرجّح.
هذا في الاصول العقليّة.
و أمّا الاصول الشرعيّة المنحصرة في البراءة الشرعيّة فقد وقع النزاع في وجه تقديم الاستصحاب عليها فذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى أنّ الاستصحاب وارد [١] على البراءة الشرعيّة بمعنى كونه رافعاً لموضوعها (أي الشكّ) بعد قيامه.
و قال في توضيح مرامه ما حاصله: إن قلت: هذا لو أخذ بدليل الاستصحاب في مورد الاصول، و لكن لما ذا لا يؤخذ بدليلها و يلزم الأخذ بدليله؟
قلنا: لأنّه لو أخذنا بدليل الاستصحاب لم يلزم منه شيء سوى ارتفاع موضوع سائر الاصول بسببه، و هذا ليس بمحذور، و أمّا لو أخذنا بدليل البراءة الشرعيّة دون الاستصحاب فيلزم منه إمّا التخصيص بلا مخصّص إن رفعنا اليد عن الاستصحاب الجاري في مورد البراءة الشرعيّة بدون مخصّص لدليله، و إمّا التخصيص على وجه دائر إن رفعنا اليد عنه لأجل كون
[١] إنّه لم يعبّر بالورود في كلامه، و لكنّه حيث قال: «فالنسبة بينها و بينه هى بعينها النسبة بين الأمارة و بينه» و كان مبناه هناك الورود فليكن هنا أيضاً كذلك.