أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٠٩ - الأقوال في حجّيّته الاستصحاب و بيان أدلّتها
موضوع المغيّى فيحكم بأنّ المغيّى في ما نحن فيه عبارة عن «كلّ شيء مشكوك»، أي «كلّ شيء مشكوك طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»، أو «كلّ شيء طاهر ما دمت في شكّ حتّى تعلم أنّه قذر»، و لا يخفى أنّ المأخوذ في موضوعه الشكّ حكم ظاهري لا واقعي.
الثالثة: ظاهر التعبير ب «حتّى تعلم أنّه قذر» أنّه قد سبقه جعل حكم واقعي بالطهارة أو القذارة ثمّ شكّ فيه، فلا يكون المقام إلّا مقام الحكم الظاهري.
هذه قرائن يندفع بها احتمال إرادة الحكم الواقعي، و يثبت أنّ الظاهر هو جعل حكم ظاهري، و حينئذٍ يبقى الكلام في أنّ الظاهر من الحديث هل هو قاعدة الطهارة أو الحلّية، أو الظاهر منه استصحاب أحدهما؟ فنقول: الصحيح هو الأوّل، لأنّ معنى الاستصحاب يحتاج إلى ما يدلّ على استمرار الحالة السابقة، و هو غير ظاهر في الحديث.
إن قلت: يدلّ عليه كلمة «حتّى»، لأنّها تدلّ على الاستمرار.
قلنا: هذا الاستمرار إنّما هو من جهة بقاء الحكم ببقاء موضوعه الثابت في جميع الموارد، لا الاستمرار الاستصحابي، فمعنى الحديث أنّ حكم الطهارة ثابت لمشكوك الطهارة ما دام مشكوكاً، و أين هذا من الاستصحاب؟
إن قلت: يمكن أن يكون صدر الحديث ناظراً إلى الحكم الواقعي و ذيله إلى الاستصحاب (كما هو ظاهر المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية) فيكون المعنى في الواقع: «الأشياء بعناوينها الواقعية طاهرة، و يستمرّ هذا الحكم عند الشكّ حتّى تعلم أنّه نجس»، فيصير «حتّى تعلم» غاية للجملة المقدّرة (أي لجملة «يستمرّ هذا الحكم») لا للحكم الواقعي حتّى يستشكل بعدم إمكان وقوع العلم غاية له.
قلنا: التقدير خلاف الظاهر و محتاج إلى قرينة، و هى مفقودة في المقام.
إن قلت: أي مانع في أنّ يكون صدر الحديث ناظراً إلى القاعدة و ذيله إلى الاستصحاب مع عدم ابتلائه بإشكال التقدير؟
قلنا: هذا غير ممكن فإنّه لو لا التقدير لكان الذيل غاية لما ثبت في الصدر، فكما أنّ الذيل ناظر إلى الحكم الظاهري (أي الطهارة للمشكوك) لا بدّ أن يكون صدره كذلك.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ ما نسب إليه المشهور هو الحقّ، و هو أنّ الحديث دالّ على خصوص القاعدة بصدره و ذيله.