أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٥ - التنبيه الخامس استصحاب الامور التدريجيّة
المعتبر في حجّية الاستصحاب بقاء الموضوع، أي وحدة القضية و المشكوكة.
ثالثها: رجوعه إلى الأصل المثبت غالباً، لأنّ المراد من استصحاب النهار مثلًا إمّا إثبات وقوع الإمساك في النهار، و هو لازم عقلي لبقاء النهار، أو إثبات أنّ الصّلاة وقعت أداءً، و هو أيضاً لازم عقلي له.
و قبل الورود في الجواب عن هذه الإشكالات لا بأس بالإشارة إجمالًا إلى حقيقة الزمان، فقد دارت حوله أبحاث كثيرة ضخمة، و صدرت من الأعلام في هذا المجال مطالب معقّدة، مع أنّه بإجماله من الضروريات البديهيات.
و كيف كان، فإنّ عمدة الآراء فيه ثلاثة:
١- أنّه بُعد موهوم يتوهّم الإنسان بوقوع الأشياء فيه.
٢- أنّه ظرف خاصّ كالمكان، و له بعد حقيقي في الخارج، و هو مخلوق قبل الأشياء الزمانيّة.
٣- ما هو مختار الفلاسفة المتأخّرين (و هو الحقّ) من أنّ الزمان ليس إلّا مقدار الحركة في العرض أو الجوهر، فلولا الحركة لما كان هناك زمان، فهى في الحقيقة مخلوقة بعد خلق الأشياء المادّية لا قبلها، و هكذا المكان فإنّه أيضاً ينتزع بعد خلق الأشياء المادّية و نسبة بعضها إلى بعض كما ذكر في محلّه.
إذا عرفت هذا فلنرد في الجواب عن الإشكالات الثلاثة المذكورة فنقول:
أمّا الإشكال الأوّل ففيه: أنّ المستفاد من أدلّة الاستصحاب إنّما هو اعتبار وجود يقين سابق و شكّ لاحق في شيء واحد، و لا دليل على اعتبار عنوان البقاء فيه.
و أمّا الإشكال الثاني فالجواب عنه:
أوّلًا: أنّ المعتبر وجود الوحدة بنظر العرف لا بالدقّة العقليّة، و الوحدة العرفيّة موجودة في الزمان بلا ريب.
و ثانياً: أنّ الوحدة موجودة فيه حتّى بالدقّة العقليّة، و دليلها وجود الاتّصال الحقيقي بين أجزاء الزمان، و إلّا يلزم الاجزاء غير المتناهية في المتناهي (بين الحاضرين) بعد عدم صحّة الجزء الذي لا يتجزّى، فالموجود في الخارج في الامور المتّصلة ليس إلّا شيئاً واحداً، و إنّما التجزئة في الذهن.