أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٨ - التنبيه الثامن عشر النسبة بين الاستصحاب و سائر الاصول العمليّة
عمومه، فمجموع الرواية المذكورة (كلّ شيء مطلق ...) و دليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول:
«كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه النهي، و كلّ نهي ورد في شيء فلا بدّ من تعميمه لجميع أزمنة احتماله» فتكون الرخصة في الشيء و إطلاقه (المستفاد من قوله كلّ شيء مطلق) مغيّا بورود النهي المحكوم عليه بالدوام و عموم الأزمان (بدليل الاستصحاب) فكان مفاد الاستصحاب نفي ما يقتضيه الأصل الآخر (البراءة الشرعيّة) في مورد الشكّ لو لا النهي، و هذا معنى المحكومة» (انتهى).
و حاصل كلامه أنّ دليل البراءة الشرعيّة يقول: كلّ شيء مطلق و مرخّص حتّى يرد فيه نهي، و دليل الاستصحاب يقول: إنّ النهي السابق نهي في الزمان اللاحق أيضاً، فيرتفع به موضوع أصالة البراءة و هو عدم وجود النهي فيكون حاكماً عليه.
و لكن يرد عليه: أنّ المستفاد من دليل الاستصحاب إنّما هو عدم ترتّب آثار الشكّ في مقام العمل و لزوم ترتّب آثار اليقين السابق كذلك، لا أنّ النهي السابق موجود في الآن اللاحق، لأنّه ليس حاكياً عن بقاء النهي بحسب الواقع، و إلّا يلزم كونه من الأمارات.
و بعبارة اخرى: إمّا أن تلتزموا بكون الاستصحاب من الأمارات كما التزم به بعض الأعلام [١] و نتيجته أنّه مقدّم على البراءة الشرعيّة بالورود أو الحكومة، أو تجعلونه من الاصول العمليّة فلا وجه حينئذٍ لكونه مقدّماً من جهة الورود أو الحكومة، بل إنّه يعارض البراءة الشرعيّة و لا بدّ حينئذٍ من ملاحظة الترجيح بين أدلّتهما. فنقول: أنّ وجه التقديم كون أدلّة الاستصحاب بعد ملاحظة التأكيدات الكثيرة و العبارات المترادفة المتعدّدة فيها أقوى و أظهر دلالة من أدلّة البراءة كما لا يخفى، فالمرجّح إنّما هو الأظهريّة و الأقوائيّة في الدلالة، و يؤيّده ما قد يقال: من أنّ ألسنة بعض رواياته كقوله ٧: «فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ» في الصحيحة الثانية لزرارة و قوله ٧: «فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» في رواية محمّد بن مسلم آبٍ عن التخصيص لا سيّما بعد كون التعليل بأمر ارتكازي عقلي.
إلى هنا تمّ الكلام عن التنبيه الثامن عشر.
[١] في مصباح الاصول.