أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦١٢
أو الحياة فإنّه كثيراً ما يترك بعض آراء الحي أيضاً في زمان حياته لظهور رأي أقوى منه.
٢- الاستصحاب، و هو استصحاب بقاء الرأي أو بقاء الحكم.
أمّا استصحاب بقاء الرأي فاستشكل في بأنّ الميّت لا رأي له.
إن قلت: إنّ هذا ينافي القول ببقاء النفس الناطقة، بل قد يقال: إنّ الإنسان يكون بعد مماته أعلم و أفقه «فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ».
قلنا: إنّ مسألة بقاء النفس الناطقة و نحوها من التدقيقات العقليّة لا يفهمها العرف فإنّه يحكم ببطلان الرأي بعد الموت و بأنّ الميّت لا رأي له، و لا ريب في أنّ المعتبر في باب الاستصحاب إنّما هو بقاء الحالة السابقة عند العرف فتأمّل.
و أمّا استصحاب الحكم (بأن يقال: كانت صلاة الجمعة واجبة على المقلّد فالآن أيضاً واجبة عليه) فاستشكل فيه المحقّق الخراساني بأنّ الأمارات الشرعيّة لا يتولّد منها الحكم، بل مفادها إنّما هو المنجّزية و المعذورية فحسب.
و لكن قد مرّ الإشكال في أصل المبنى كراراً.
و الصحيح في المقام أن يقال: أمّا استصحاب بقاء الرأي فالحقّ أنّه لا حاجة إليه لأنّ آراء الفقيه ليست عبارة عن الصورة الذهنيّة له حتّى تضمحلّ بموته، بل إنّ آراءه هى نفس ما كتبه في كتبه الفقهيّة، و هو ممّا لا شكّ فيه حتّى يستصحب بقاؤه، و المحتاج إلى الاستصحاب إنّما هو بقاء حجّية هذه الآراء المكتوبة و هو نفس استصحاب بقاء الحكم، و قد ذكرنا في محلّه أنّ إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكميّة مشكل جدّاً.
إن قلت: لو جاز تقليد الميّت بحكم الاستصحاب لجاز تقليد الحي إذا عرضه النسيان أيضاً لبقاء آرائه في كتبه مع أنّه غير جائز.
قلنا: لا نسلّم عدم الجواز بالنسبة إلى آرائه السابقة، نعم لا يجوز الاعتماد على آرائه في الحال.
الثالث: إطلاقات أدلّة التقليد، لصدق عنوان أهل الذكر مثلًا على الميّت أيضاً بلحاظ زمان صدور الرأي فإنّ المشتقّ حقيقة فيمن تلبّس بالمبدإ حال النسبة لا حال النطق.
و إن شئت قلت: لا بدّ أن يكون من يرجع إليه العامي من أهل الذكر و العلم عند صدور الرأي منه، و لا شكّ أنّه كان كذلك حال صدور هذه الآراء.