أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٩ - الضوابط الكلّية للجمع الدلالي العرفي
الأبد، فدوامه و استمراره لازم لذاته و ماهيّته، لا أنّه يستفاد من الاطلاق اللفظي لأدلّته حتّى نتكلّم عن تقييده و عدمه، و أمّا ما ورد في الحديث الشريف «حلال محمّد ٦ حلال إلى يوم القيامة و حرامه ...» فهو ناظر إلى خاتمية الشريعة المقدّسة لا إلى الاطلاق اللفظي لأدلّة قوانينها.
فقد ظهر إلى هنا عدم تمامية ما استدلّ به على تقديم النسخ، و الحقّ ما ذهب إليه المشهور و هو تقديم التخصيص، لأنّ النسخ يحتاج إلى دليل قطعي بخلاف التخصيص الذي يثبت حتّى بخبر الواحد الثقة.
هذا- مضافاً إلى أنّ سيرة الفقهاء في الفقه على تقديم التخصيص كما يشهد عليها عدم السؤال و الفحص عن تاريخ صدور العام و الخاصّ، فإنّ النسخ لا بدّ فيه من الفحص عن التاريخ حتّى يتبيّن المقدّم منهما و المتأخّر فيكون المتأخّر ناسخاً و المتقدّم منسوخاً، فعدم فحصهم عن تواريخ صدور الأحاديث من أقوى الدليل على ترجيحهم التخصيص على النسخ.
بقي هنا شيء:
و هو إنّا بعد ملاحظة العمومات و التخصيصات الواردة في الكتاب و السنّة و الأحاديث الصادرة عن الأئمّة المعصومين (صلوات اللَّه عليهم) نرى أنّ هناك مخصّصات وردت بعد حضور العمل بالعمومات، فورد مثلًا عام في الكتاب أو السنّة النبوية مع أنّ خاصّه ورد في عصر الصادقين ٨، فإن قلنا بكونه مخصّصاً للعام يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و إن قلنا بكونه ناسخاً يلزم كون الإمام ٧ مشرّعاً، مع أنّه حافظ للشريعة، و لو قبلنا إمكان تشريعه و نسخه بعد توجيهه بإرادة كشف ما بيّنه النبي ٦ عن غاية الحكم الأوّل و ابتداء الحكم الثاني لم يمكن قبوله هنا، لأنّ غلبة هذا النحو من التخصيصات تأبى عن هذا التوجيه، فما هو طريق حلّ هذه المشكلة؟
و قد ذكر لحلّها وجوه:
١- أن يكن الخاصّ ناسخاً، و لكنّه قد نزل في عصر النبي ٦ و لم تكن هناك مصلحة في إبرازه فأودع النبي ٦ أمر إبرازه بيد الإمام ٧، و بعبارة اخرى: أنّ النبي ٦ أودع عندهم علم أجل الحكم و انتهائه، فهم يبيّنون غاية الحكم و أمده بعد حلول أجله.