أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨ - الثالث دليل العقل
أحدها: أن يكون المولى قادراً على البيان و إلّا لو كان المولى محبوساً مثلًا غير قادر على بيان غرضه و العبد يعلم به أو يحتمله فلا يكون عند العقلاء مرخّصاً بالاعتذار بعدم البيان.
ثانيها: أن لا يكون المورد من المسائل الهامّة الأساسية كما إذا دخل في دار المولى من يحتمل أن يكون هلاك المولى بيده، فعلى العبد منعه بكلّ ما يقدر عليه و إن لم يصدر من المولى بيان فيه.
ثالثها: أن يكون المورد من الموارد التي ممنوعها أقلّ من مجازها، و واجبها أقلّ من مباحها، و إلّا لو كان مشكوك الحرمة من الحيوانات البحرية مثلًا التي أكثرها حرام، فلعلّ بناء العقلاء لم يستقرّ على البراءة في أمثالها، فإنّ الظاهر أنّ بناء العقلاء نشأ من كون الواجبات و المحرّمات في مقابل المباحات قليلًا جدّاً فالمحتاج إلى البيان إنّما هو الواجبات و المحرّمات، و لو انعكس الأمر في مورد و كانت محرّماته أكثر من مباحاته لم يكن لهم بناءً على البيان فيه، و لا أقلّ من الشكّ و عدم ثبوت بناءٍ في أمثال المقام، و معه لا يصحّ الاستدلال به.
رابعها: أن يكون من المسائل المبتلى بها، فلو كان الابتلاء نادراً في مورد لكان الحكم باستقرار بنائهم عليه مشكل فيه جدّاً.
ثمّ إنّ هاهنا إشكالًا معروفاً، و هو أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان مورودة لقاعدة وجوب دفع الضرر، فيكفي في البيان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإنّ الشكّ في التكليف يلازم الشكّ في الضرر، و العقل يستقلّ بلزوم دفع الضرر المحتمل فهو بيان عقلي فيرتفع موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.
و اجيب عنه بوجوه:
منها: أنّ المراد بالضرر (الذي هو موضوع القاعدة) أمّا الضرر الدنيوي و أمّا الضرر الاخروي، و المقصود بالضرر الاخروي أمّا العقاب الموعود من جانب الشارع جزاءً للأعمال، و أمّا الآثار الوضعيّة القهريّة للعمل التي يعبّر عنه بتجسّم الأعمال، فإن كان المراد العقاب الاخروي بالمعنى الأوّل فلا موضوع لهذه القاعدة في المقام لأنّ احتمال التكليف لا يلازم احتمال العقاب بل الملازمة إنّما هى ثابتة بين التكليف الواصل و استحقاق العقوبة على مخالفته لا لانّه مع عدم وصول التكليف و البيان يستقلّ العقل بقبح العقاب، و به لا يثبت موضوع قاعدة دفع