أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧١ - الفصل الأوّل في مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين
ثمّ إنّ ما ذكرنا من أنّ قضية التعارض بين المتعارضين هو التساقط إنّما هو بملاحظة الأصل الأوّلي و القاعدة الأوّليّة فيعمل به ما لم ينتقض بدليل خاصّ تعبّدي كما انتقض في الخبرين المتعارضين، فإنّ الإجماع و الأخبار العلاجية قائمان على عدم سقوطهما بل لا بدّ من العمل بأحدهما إمّا تعييناً أو تخييراً، نعم إنّها باقية على حالها في غير الخبرين سواء في الشبهة الحكميّة كما في الإجماعين المحصّلين المتعارضين أو في الشبهة الموضوعيّة كما في البيّنتين المتعارضتين.
بقي هنا شيء:
و هو أنّ الصحيح بين المبنيين (مبنى السببيّة و مبنى الطريقيّة) إنّما هو مبنى الطريقيّة، و ذلك لأنّ أدلّة حجّية الأمارات في الواقع امضاءً لبناء العقلاء، و لا إشكال في أنّهم يعتمدون على مثل قول الطبيب و أهل الخبرة بلحاظ كونه طريقاً إلى الواقع لا لحصول مصلحة في قول الطبيب و رأيه و لو كان مخالفاً مع الواقع.
إن قلت: إنّ إجازة الشارع العمل بمؤدّى الأمارة مطلقاً حتّى فيما إذا كان موجباً لتفويت الواقع تكشف عن توليد مصلحة في السلوك على طبقها، أي المصلحة السلوكيّة (لا المصلحة في نفس المؤدّى حتّى يرد عليه لزوم التصويب المجمع على بطلانه).
قلنا: إنّ إذنه بالعمل بالأمارة مطلقاً يكون من باب انقطاع يد المكلّف عن الوصول إلى العلم بالواقع غالباً، و هذا ما يشهد عليه الوجدان في باب ملكيّة الأشخاص بالنسبة إلى أموالهم و في باب الدعاوي في القضاء، فإنّه لا يحصل للإنسان العلم بملكيّة زيد مثلًا بالنسبة إلى أمواله أو بحقّانية أحد طرفي الدعوى، كما أنّه قد يوجب اعتبار حصول العلم للعسر و الحرج كما في باب الطهارة و النجاسة و الأملاك و غيرهما فإنّ حصول العلم فيها و إن كان ممكناً للإنسان أحياناً و لكنّه يستلزم منه العسر و الحرج غالباً كما لا يخفى.
لا أقول أنّ حجّية الأمارات تكون من باب انسداد العلم (الانسداد الكبير) بل أقول: أنّ الحكمة في حجّية غالب الأمارات وجود انسداد صغير في مواردها.