أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٨ - الفصل الرابع في ترتيب المرجّحات
الفقهيّة، كقوله ٧: التقيّة سنّة إبراهيم، أو سنّة آل فرعون، أو سنّة أصحاب الكهف، أو أنّها جنّة المؤمن، أو ترس المؤمن، و هكذا قوله تعالى: «إِلّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً» [١] الوارد في شأن عمّار بن ياسر و أبويه، فلا إشكال في أنّ جميعها ناظراً إلى التقية في مقام العمل كما لا يخفى.
و تقية في مقام الفتوى، و هى بنفسها على قسمين: أحدهما ما يصدر من الإمام ٧ حفظاً لنفسه الشريفة، و ثانيهما ما يصدر منه حفظاً لدماء الشيعة، و المتتبّع في تاريخ الأئمّة و سيرتهم يلاحظ أنّ هذين القسمين من التقيّة لم تكن بتلك الدرجة من الكثرة لكي يتوهّم مثل المحقّق الرشتي (رحمه الله) أنّ كلّ خبر يوافق آراء العامّة فإمّا أن لا يكون صادراً عنهم : أو صدر تقية، سيّما بعد ملاحظة الروايات الناقضة للتقية كأكثر روايات باب الخمس و كثير من روايات أبواب الحجّ و ما أشبهها فراجع.
٤- قال المحقّق الخراساني (رحمه الله) أنّ تقدّم الأرجح صدوراً على المخالف للعامّة (أي تقدّم المرجّح الصدوري على الجهتي) مبنيّ على كون المخالفة للعامّة من المرجّحات الجهتية، و أمّا بملاحظة كونها من المرجّحات الدلالية نظراً إلى ما في الموافق للعامّة من احتمال التورية الموجب لضعف ظهوره و دلالته فيكون المخالف للعامّة أقوى منه دلالة و ظهوراً لعدم احتمال التورية فيه أصلًا، فالمرجّح الجهتي حينئذٍ مقدّم على جميع المرجّحات الصدورية لما عرفت من تقدّم المرجّحات الدلالية على ما سواها من المرجّحات.
ثمّ أشكل على نفسه و قال: اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ باب احتمال التورية و إن كان مفتوحاً فيما احتمل فيه التقيّة إلّا أنّه حيث كان بالتأمّل و النظر لم يوجب أن يكون معارضه أظهر، بحيث يكون قرينة على التصرّف عرفاً في الآخر من حيث الدلالة.
أقول: إن كان مقصوده ممّا رجع إليه في ذيل كلامه أنّ عمل التورية و أعمالها في محلّها أمر مشكل فهو صحيح لا غبار عليه، و أمّا إن كان المقصود أنّ تشخيص الأظهر و الظاهر بعد فرض انفتاح باب التورية و تحقّقها في الخارج في الروايات الموافقة مشكل فهو ممنوع، فإنّ الإنصاف أنّ ما لا يحتمل فيه التورية أقوى ظهوراً عند العرف ممّا يحتمل فيه التوراة، فيقدّم عليه إذا كان أحدهما قرينة على التصرّف في الآخر، هذا أوّلًا.
[١] سورة آل عمران: الآية ٢٨.