أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٣ - استدلال بعض الأعاظم للتفصيل و نقده
الغليان مثلًا، أو بقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه.
و إن شئت قلت: حيث إنّ الفحص و السؤال عن المعصوم كان ممكناً في عصر الأخبار غالباً لا سيّما للرواة، و لم تمسّ الحاجة غالباً إلى جريان الاستصحاب فيمكن أن يقال حينئذٍ بانصراف أخبار الاستصحاب عن الشبهات الحكميّة، و لذلك اعترف الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في مبحث الاحتياط أنّ الأخبار الدالّة على وجوب الاحتياط ناظرة إلى زمن الحضور، كما أنّه قد ورد في بعضها التعبير ب «إذا أصبتم بمثل هذا فعليكم الاحتياط حتّى تسألوا و تعلموا».
و كيف كان، لا أقل من الشكّ في اطلاق أخبار الاستصحاب أو عمومها بالنسبة إلى الشبهات الحكميّة، و هذا كافٍ في عدم جواز الاستدلال بها على العموم.
و يؤيّد ذلك أنّ مورد جميع الروايات خاصّ بالشبهات الموضوعيّة، كالسؤال عن إصابة النجاسة بالثوب و وقوع النوم و عدمه في روايات زرارة، و عن يوم الشكّ في شهر رمضان في خبر علي بن محمّد القاساني، و هكذا في رواية الشكّ في الركعات.
استدلال بعض الأعاظم للتفصيل و نقده:
ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر (قدّس اللَّه سرّه) استدلّ لعدم حجّية الاستصحاب في الشبهات الحكميّة بما حاصله: إنّ الاستصحاب في الأحكام الكلّية معارض بمثله دائماً.
و إليك ملخّص ما أفاده في توضيح ذلك في كلام طويل له في المقام:
إنّ للأحكام مرحلتين: مرحلة الإنشاء و الجعل، و مرحلة الفعلية و المجعول، مثلًا الشارع ينشأ وجوب الحجّ على المستطيع مع عدم وجود مكلّف أو مستطيع، فهنا إنشاء الحكم على موضوعه و إن كانت الشرائط غير موجودة و الموانع غير مفقودة، فإذا وجد الموضوع و اجتمعت الشرائط و فقدت الموانع صار فعليّاً.
و الاستصحابات الحكميّة معارضة دائماً بالاستصحاب العدمي في مرحلة الجعل و الإنشاء، فالمرأة إذا طهرت من الدم و لم تغتسل جرى في حقّها استصحاب بقاء حرمة الوطي، و لكنّه معارض بعدم جعل الحرمة من أوّل الأمر فيما زاد على زمان الدم، فيتعارض الاستصحابان و يسقطان من الجانبين.