أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٠ - الكلام في أصالة عدم التذكية
بين الناس، فلا موضوع للحلّية و الحرمة حينئذٍ.
الثاني: في جريان أصالة عدم التذكية من ناحية الشبهة الموضوعيّة.
كان البحث إلى هنا في جريان أصالة عدم التذكية من ناحية الشبهة الحكميّة، و أمّا جريانها من ناحية الشبهة الموضوعيّة فيتصوّر له ثلاث صور:
الاولى: في القطعة المطروحة في الطريق التي شكّ في أنّها من الحيوان المذكّى أو غير المذكّى، فلا إشكال في أنّها محكومة بالحرمة لجريان أصالة عدم التذكية فيها بمعانيها الثلاثة كما لا يخفى، و أمّا الرواية [١] الواردة في السفرة المطروحة في الطريق من أنّه يجوز أكل لحمها فالظاهر أنّه لمكان كون البلد بلداً مسلماً، و هو أمارة على الحلّية، و مقدّمة على أصالة عدم التذكية.
الثانية: في القطعة المبانة التي يدور أمرها بين حيوانين، أحدهما مذكّى، و الثاني غير مذكّى، ففيها أيضاً تجري أصالة عدم التذكية، نعم أنّها لا تجري بالنسبة إلى نفس القطعة لأنّ التذكية صفة تعرض على كلّ الحيوان لا على بعضه بل لا بدّ أن يكون المستصحب عنوان «ما أخذ منه اللحم» فيقال الحيوان الذي يكون منه هذا اللحم كان غير مذكّى، فيستصحب عدم تذكيته الذي من آثاره عدم حلّية هذه القطعة أيضاً.
الثالثة: ما إذا كانت هناك قطعات مختلفة مذكّاة و غير مذكّاة اختلط بعضها ببعض، فهل يجب الاجتناب عنها أو لا؟ فيتصوّر فيها صورتان: تارةً يكون كلا الحيوانين داخلين في محلّ الابتلاء، فلا إشكال في وجوب الاجتناب عن كلّ واحد من تلك القطعات لمكان العلم الإجمالي، و اخرى يكون أحدهما خارجاً عن محلّ الابتلاء ففيها و إن لم يكن العلم الإجمالي منجّزاً لكن تجري أصالة عدم التذكية بالنسبة إلى «ما أخذ منه هذا اللحم» ويحكم بحرمة كلّ قطعة بلا ريب.
فتحصّل من ذلك جريان أصالة عدم التذكية في الشبهة الموضوعيّة بجميع صورها.
ثمّ إنّ هاهنا إشكالًا أورده بعض الأعلام على جريان أصالة عدم التذكية مطلقاً و في جميع
[١] و هى ما رواه السكوني عن أبي عبد الله ٧ أنّ أمير المؤمنين ٧ سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكّين. فقال أمير المؤمنين ٧: يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين: لا ندري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي فقال: هم في سعة حتّى يعلموا. (وسائل الشيعة: كتاب الصيد و الذبائح الباب ٣٨، ح ٢).