أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٠ - الأمر الثالث التخصيص و التخصّص و الحكومة و الورود و بيان الفرق بينها
و لو لم يسبق التعبّد بالاصول، بل و لو مع عدم التعبّد بها رأساً [١].
أقول: في كلامه مواقع للنظر:
أوّلًا: أنّ الحكومة لها قسم واحد من دون فرق بين مواردها فإنّها واقعيّة في جميع الموارد، و جميعها ترجع إلى التخصيص واقعاً و حقيقة، غاية الأمر الدليل المحكوم قد يكون من الأحكام الواقعيّة، و قد يكون من الأحكام الظاهريّة، و هذا غير كون الحكومة ظاهرياً في بعض الموارد و واقعياً في بعض الموارد الاخرى، و بعبارة اخرى: التخصيص واقعي و إن كان المخصّص أو المخصِّص ظاهرياً.
ثانياً: أنّ رتبة الدليل الحاكم و الدليل المحكوم واحدة في جميع موارد الحكومة، و إلّا لم يكن توضيحاً و تفسيراً، و أمّا في مورد الأمارات بالنسبة إلى الأحكام الواقعيّة فالصحيح أنّه لا معنى لحكومة الأمارات على الأحكام الواقعيّة، بل إنّها طرق إلى الواقع، و كما أنّ العلم طريق إليه تكويناً تكون الأمارات طرقاً إليه تشريعاً.
و ثالثاً: أنّا نعترف بلغوية التعبّد بدليل الحاكم لو لا سبق التعبّد بدليل المحكوم، لأنّ الدليل الحاكم ناظر إلى الدليل المحكوم و مفسّر له، و من الواضح أنّه لا معنى للتفسير مع عدم سبق دليل بعنوان المفسّر (بالفتح)، و هذا صادق حتّى بالنسبة إلى حكومة الأمارات على الاصول، لما مرّ من أنّها ناظرة إليها و مفسّرة لها و لو في حدّ الدلالة الالتزامية اللفظية.
و من هنا يظهر حال الأمارات في مقابل الاصول و أنّ الصحيح كونها واردة عليها.
توضيح ذلك: يحتمل في وجه تقديم الأمارات على الاصول أربعة وجوه: حكومتها عليها، ورودها عليها، إمكان الجمع و التوفيق العرفي بينهما، و تخصيص الاصول بالأمارات.
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) هنا إلى الوجه الثالث (التوفيق العرفي) مع أنّه صرّح في أواخر الاستصحاب بالورود، و أراد من التوفيق العرفي ما يقابل الحكومة.
و لكنّه في غير محلّه، لأنّ المراد من الجمع العرفي إمّا كون الأمارات خاصّة بالنسبة إلى الاصول مطلقاً فقد مرّ عدم كونها كذلك، أو أنّ أدلّتها أظهر من أدلّة الاصول، و لا دليل عليه.
[١] راجع أجود التقريرات: ج ٢، ص ٥٠٧، طبعة مؤسسة مطبوعات ديني.