أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٠٨ - التنبيه الثالث عشر استصحاب الكتابي
أن تكون النبوّة ناشئة من كمال النفس) فلا ريب في عدم صحّته لما سيأتي في بيان وجه المختار، و هكذا الوجه الثالث (و هو أن يكون المراد من النبوّة أحكام شريعة من اتّصف بها و استصحابها هو استصحاب بعض أحكامها) لما سيأتي أيضاً بل الصحيح إنّما هو المعنى الثاني (و هو كون النبوّة من المناصب المجعولة) كما يشهد عليه قوله تعالى: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» [١] حيث إنّ النبوّة و الإمامة فيما يهمّنا في المقام على وزان واحد، و قوله تعالى: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [٢]، و قوله تعالى: «وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى» [٣] فإنّ هذه الآيات و نظائرها صريحة أو كالصريحة في كون النبوّة منصباً من المناصب المجعولة من ناحية الشارع فإنّ التعبير بالجعل و الاختيار كالصريح في هذا المعنى، نعم هذا مقام لا يعطيه الحكيم إلّا لمن تمّت القابلية فيه.
ثانياً: هاهنا وجه رابع في المراد من النبوّة و هو أن يكون المراد منها مجموع الأحكام و التعاليم الموجودة في تلك الشريعة السابقة، و هذا هو الصحيح المختار لأنّ من المسلّم أنّ انقضاء شريعة موسى و عيسى ٨ ليست بمعنى عزلهما عن ذلك المنصب الإلهي أو بمعنى تنزّلهما عن تلك المرتبة من كمال النفس، بل إنّها بمعنى انقضاء أمد شريعتهما و خروجها عن كونها ديناً رسميّاً للعباد، و لا يخفى أنّ هذا المعنى أيضاً لا يمكن استصحاب بقائه عند الشكّ فيه، لما مرّ من عدم وجود الدليل على الاستصحاب من غير ناحية الشريعة الإسلاميّة و لغيّره ممّا مرّ ذكره، و لو فرضنا وجود الدليل على الاستصحاب في نفس الشريعة السابقة فأيضاً لا يمكن التمسّك به لإثبات بقاء أحكام تلك الشريعة، لما أفاده بعض الأعلام من «أنّ حجّية الاستصحاب من جملة تلك الأحكام فيلزم التمسّك به لإثبات بقاء نفسه و هو دور ظاهر» [٤].
ثالثاً: لو فرضنا كون النبوّة أمراً تكوينياً فلا يمكن الإيراد على جريان الاستصحاب فيه بعدم ترتّب أثر عملي شرعي عليه لأنّ وجوب الاعتقاد القلبي به و عقد القلب عليه أثر عملي جانحي شرعي، و إن كان الكاشف عنه هو العقل، نظير وجوب المقدّمة.
[١] سورة البقرة: الآية ١٢٤.
[٢] سورة الأنعام: الآية ١٢٤.
[٣] سورة طه: الآية ١٣.
[٤] مصباح الاصول: ج ٣، ص ٢١٤، طبع مطبعة النجف.