أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٤ - التنبيه السادس الاستصحاب التعليقي
السببيّة، فهى لا تكون مجعولة بيد الشارع حتّى يمكن له الحكم باستصحابها.
٢- ما أجاب به الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) أيضاً، و تبعه فيه المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و هو أنّه لا مانع من استصحاب الحرمة على تقدير الغليان، لأنّ الحكم التقديري أيضاً له حظّ من الوجود، فيكون له نحو وجود متحقّق في نفسه في قبال العدم المحض.
و أجاب عنه المحقّق النائيني (رحمه الله): بأنّ ثبوت الحرمة على تقدير الغليان للعنب ليس ثبوتاً شرعياً و حكماً على موضوعه، بل هو من جهة حكم العقل بأنّه متى وجد جزء الموضوع المركّب فلا محالة تكون فعلية الحكم متوقّفة على ثبوت الجزء الآخر.
توضيح ذلك: قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط أنّ كلّ شرط يكون لا محالة مأخوذاً في موضوع الحكم كما أنّ كلّ موضوع يكون شرطاً في الحقيقة، فقولنا «يحرم العنب إذا غلى» عبارة اخرى عن قولنا: «العنب المغليّ حرام» و بالعكس، و لهذا الحكم ثبوتان حقيقيّان تشريعاً: أحدهما: ثبوته في مرحلة الجعل و الإنشاء مع قطع النظر عن وجود عنب في الخارج أصلًا، و الرافع للحكم في هذه المرحلة هو النسخ ليس إلّا، ثانيهما: ثبوته الخارجي بفعلية تمام موضوعه، أعني به وجود العنب و غليانه، إذ مع انتفاء أحد قيود الموضوع يستحيل فعلية الحكم، و إلّا لزم الخلف و عدم دخل ذلك القيد في موضوعه، و المفروض في المقام عدم الشكّ في بقائه في مرحلة الإنشاء، و عدم فعلية موضوعه في الخارج، فأين الحكم الشرعي المتيقّن حتّى يستصحب وجوده؟ نعم حيث إنّ الحكم الشرعي مترتّب على الموضوع المركّب فالعقل يحكم عند وجود جزء منه بكون الحكم متوقّفاً على ثبوت الجزء الآخر، و هذا الثبوت عقلي محض و غير قابل للاستصحاب أصلًا» [١].
أقول: يرد عليه: أنّ إرجاع شرائط الوجوب إلى قيود الموضوع مخالف للمتبادر من القضيّة الشرطيّة و ظاهرها، فإنّ ظاهرها (كما هو واضح لمن راجع وجدانه) كون الشرط قيداً للوجوب لا للواجب و لا للموضوع، و إمكان إرجاع أحدهما إلى الآخر بتمحّل عقلي لا يفيد شيئاً في المقام بعد ظهور القضية في كون الشرط راجعاً إلى الوجوب، فهذا الوجه أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه كما لا يمكن المساعدة على مقالة الشيخ (رحمه الله) من إرجاع القيود إلى الواجب،
[١] أجود التقريرات: ص ٤١٢، طبع مطبوعات ديني.