أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٢ - الفصل الأوّل في مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين
ثمّ إنّه بناءً على تساقط الخبرين المتعارضين هل تبقى دلالتهما الالتزاميّة على نفي الثالث على حالها، أو أنّها أيضاً تسقط؟ فإذا قامت بيّنة (في الشبهة الموضوعيّة) على أنّ هذه الدار لزيد مثلًا و بيّنة اخرى على أنّها لعمرو فهل يثبت بهما عدم كونها لبكر، أو لا؟ و هكذا في الشبهات الحكميّة، فإذا قام الخبر على كون نصاب المعدن عشرين ديناراً و دلّ خبر آخر على أنّه دينار واحد فهل يبقى مدلولهما الالتزامي (و هو أصل وجود نصاب لوجوب الخمس في المعدن الدائر أمره بين العشرين و الدينار الواحد) على حاله فتكون النتيجة عدم وجوب التخميس في الأقلّ من دينار، أو أنّه أيضاً يسقط و تكون النتيجة وجوب الخمس مطلقاً حتّى في الأقلّ من دينار؟ فيه قولان:
أحدهما: ما ذهب إليه المشهور منهم صاحب الكفاية و المحقّق النائيني و المحقّق الأصفهاني و المحقّق الحائري (رحمه الله) في الدرر و جماعة اخرى من المتأخّرين، و هو عدم سقوط الدلالة بالنسبة إلى نفي الثالث.
ثانيهما: ما ذهب إليه بعض الأعلام كما في مصباح الاصول من سقوطها حتّى من هذه الجهة.
و لا بدّ قبل الورود في باب أدلّة الطرفين أن نشير إلى أنّ هذا البحث إنّما يجري فيما إذا احتملنا كذب كلا الخبرين، أي كان كلّ من الدليلين ظنّياً، و أمّا إذا علمنا صدق أحدهما من دليل خارج كالإجماع (كما أنّه كذلك في الخبرين الدالّين على وجوب صلاة الجمعة و وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة حيث إنّ الإجماع قام على صدق أحدهما و عدم تكليف ثالث في البين كوجوب كليهما أو عدم وجوب كليهما) فلا موضع لهذا النزاع، لأننا نقطع حينئذٍ بنفي الثالث.
و على أي حال فقد استدلّ للقول الأوّل بوجهين:
الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) فإنّه قال: «نعم يكون نفي الثالث بأحدهما لبقائه على الحجّية و صلاحيته على ما هو عليه (من عدم التعيّن) لذلك لا بهما» و حاصله ما مرّ منه من أنّ ما يسقط عن الحجّية إنّما هو أحد الخبرين لا بعينه، فيكون أحدهما الآخر لا بعينه باقٍ على حجّيته، فينفي به الثالث، فلا يجوز الخروج عن مؤدّى المجموع.
و لكن يرد عليه: إشكال بحسب مقام الثبوت، و إشكال بحسب مقام الإثبات، أمّا الأوّل: