أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٩ - الأمر الثالث شمول التخيير أو الترجيح لموارد الجمع العرفي و عدمه
و أمّا القسم الثالث فلأنّ الورع عبارة عن الكفّ عن محارم اللَّه، و منها الكذب و الافتراء، و الإنسان الأورع يكون احتياطه و محافظته على التكلّم أكثر من غيره غالباً، فيكون أصدق من غيره كذلك، و هكذا الأفقهيّة فإنّ الأفقه يكون أخذه من الإمام ٧ أتقن و أحسن من غيره، هذا مضافاً إلى أنّ كلًا من الأورعيّة و الأفقهيّة في المقبولة هى من مرجّحات الحاكم (كالأعدليّة و الأصدقيّة) لا من مرجّحات الراوي.
و على ما ذكرنا إنّما يمكن التعدّي من المزايا المنصوصة (لو قلنا به) إلى كلّ مزيّة توجب قوّة ذيها من حيث دليليته و طريقيّته إلى الواقع.
الأمر الثالث: شمول التخيير أو الترجيح لموارد الجمع العرفي و عدمه
و بعبارة اخرى: هل يجوز إعمال المرجّحات في موارد العام و الخاصّ، و المطلق و المقيّد أيضاً، أو لا؟ المشهور و المعروف أنّه يختصّ بغير موارد الجمع العرفي، بل قال الشيخ الأعظم (رحمه الله): «و ما ذكرناه كأنّه ممّا لا خلاف فيه كما استظهره بعض مشايخنا المعاصرين، و يشهد له ما يظهر من مذاهبهم في الاصول و طريقتهم في الفروع».
و لكن من العجب أنّه نسب إلى الشيخ الطوسي (رحمه الله) في بعض كلماته في الاستبصار و العدّة، و إلى المحقّق القمّي في مباحث العام و الخاصّ من القوانين أنّ أعمال المرجّحات يقدّم على الجمع العرفي.
و الصحيح ما ذهب إليه المشهور (بل يلزم من العمل بما نسب إلى شيخ الطائفة (رحمه الله) فقه جديد كما سيأتي) و عمدة الدليل عليه أمران:
الأوّل: أنّه لا تعدّ موارد الجمع العرفي من قبيل المتعارضين، فلا يصدق عنوان التعارض و الاختلاف عليها عند العرف، فلا يجري عليها أحكام التعارض.
الثاني: أنّ إعمال المرجّحات في موارد العام و الخاصّ و المطلق و المقيّد يلزم منه ما لا يلتزم به فقيه، لمخالفته لضرورة الفقه، فإنّ من الضروري تخصيص العمومات الكثيرة و تقييد الإطلاقات العديدة في الكتاب و السنّة بالأخبار الخاصّة، مثلًا قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» تخصّص بجميع أدلّة شرائط صحّة البيع و الخيارات و شرائط المتبايعين و العوضين، و هكذا