أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٧ - ٢- الإجماع
و منها: قوله تعالى في باب الشهادة: «وَ لَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَ لَا شَهِيدٌ» [١] بناءً على كون «لا يضارّ» مبنيّاً على المفعول، حيث إنّه حينئذٍ ينهى عن الاضرار بالكتّاب و الشهداء بالرجوع إليهم للكتابة أو الشهادة في أيّ وقت وساعة، تمسّكاً بعموم ما يدلّ على وجوبهما عليهم (و هو ما ورد في صدر الآية من قوله تعالى: «وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ» و قوله تعالى: «وَ لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا» فيكون ذيل الآية حينئذٍ حاكماً على عموم صدرها، و أمّا بناءً على البناء على الفاعل فهى أجنبيّة عمّا نحن فيه، لأنّ المعنى حينئذٍ النهي عن اضرار كاتب الدَّين و الشاهد عليه بكتابة ما لم يمل و الشهادة بما لم يستشهد عليه، أي بكتابة غير صحيحة و شهادة غير صادقة، و هو حرام من غير حاجة إلى عنوان الاضرار.
و منها: قوله تعالى في باب الوصيّة: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ» [٢] الذي ينهى عن الاضرار بالورّاث بالاقرار بدَين ليس عليه، دفعاً للميراث عنهم، و تمسّكاً بعموم «الناس مسلّطون على أموالهم» فتحكم الآية على هذا العموم و يكون مفيداً لنا في المقصود.
هذه هى الآيات الخاصّة التي وردت في موارد مختلفة و تدلّ على حرمة الاضرار في خصوص تلك الموارد و بنحو الموجبة الجزئيّة، و لا يبعد- كما مرّ- أن يصطاد منها عرفاً قاعدة لا ضرر بنحو كلّي و موجبة كلّية بإلغاء الخصوصيّة عن مواردها، فإنّ العرف إذا ضمّ بعضها إلى بعض و نظر إلى مجموعها يمكن أن يستخرج منها قاعدة كلّية تحت عنوان «لا ضرر»، و إن أبيت عن هذا فلا أقلّ من كونها مؤيّدة لسائر الأدلّة.
٢- الإجماع:
فلا إشكال في أنّ القاعدة مجمع عليها في الجملة، أي توجد موارد عديدة في الفقه تكون عمدة الدليل فيها هى قاعدة لا ضرر، نظير خيار الغبن، و لكن لم ينعقد الإجماع عليها بعرضها العريض بحيث يمكن التعدّي إلى سائر موارد وجود الضرر، مضافاً إلى أنّه مدركيّ فليس بحجّة.
[١] سورة البقرة: الآية ٢٨٢.
[٢] سورة النساء: الآية ١٢.