أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٣ - المقام الثاني في كيفية دلالة الحديث على المطلوب
نعم لا ينبغي الإشكال في شموله لها بناءً على مذاق المشهور من أنّ المراد من الموصول هو الحكم حيث لا حاجة حينئذٍ إلى تقديره.
إن قلت: إنّ الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة من الأحكام الوضعيّة الانتزاعيّة التي ينتزعها العقل من الأمر المتعلّق بالكلّ أو المتعلّق بنفس الجزء أو الشرط، أو النهي المتعلّق بالمانع، و ليست من الأحكام الوضعيّة المجعولة الاعتباريّة التي تعتبر من جانب الشارع أو العقلاء، كالضمان و الملكية فإذا لم تكن قابلة للوضع و الاعتبار لم تكن قابلة للرفع أيضاً.
قلنا: يمكن للشارع رفعها باعتبار أنّ جعل منشأ انتزاعها (أي الأمر بالأجزاء و الشرائط و النهي عن الموانع) بيد الشارع.
نعم هنا إشكال آخر بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة، و هو أنّه لا يمكن التمسّك فيها بحديث الرفع لتصحيح الصّلاة، مثلًا لأنّ الإعادة ليست من آثار النسيان حتّى ترفع برفعه، بل هى من آثار الأمر بالكلّ، و هو لم يمتثل، فتجب الإعادة لأن يحصل الامتثال.
هذا كلّه بالنسبة إلى الأجزاء و الشرائط، و أمّا الموانع فيمكن أن يقال برفع أثرها و هو البطلان بمقتضى حديث الرفع، و القول بأنّ المانع يرجع إلى شرطيّة عدمه كما ترى.
الأمر الرابع: أنّ حديث الرفع حيث ورد في مقام الامتنان فلا يجري فيما لم يكن في رفعه منّة على المكلّف كما إذا اضطرّ إنسان إلى بيع داره لإنجاء ولده المريض، فعدم صحّة بيعه هذا- لأنّه ممّا اضطرّ إليه- لا يكون منّة عليه بل هو خلاف الامتنان و هذا واضح، و إنّما الكلام في منشأ هذا الاستظهار، فمن أيّ شيء يستفاد أنّ الحديث في مقام الامتنان؟
قد يقال: أنّه يستفاد من التعبير ب «عن امّتي» الوارد في الحديث، حيث لا إشكال في ظهوره في الامتنان عرفاً، لكن يمكن أن يستفاد ذلك أيضاً من نفس التعبير بالرفع فإنّ الرفع يستعمل في الموارد التي رفع فيها ثقل و كلفة عن المكلّف لا ما إذا وضع ثقل على عاتقه، و لا يخفى أنّ بطلان المعاملة في المثال المذكور ممّا يوجب وضع ثقل على أثقاله لا رفعه.
الأمر الخامس: ربّما يستشكل في رفع المؤاخذة بحديث الرفع بأنّ المؤاخذة من الأحكام العقليّة لا من القوانين و الأحكام المجعولة من ناحية الشرع حتّى يمكن رفعها بيد الشارع.
و يجاب عنه: بأنّها و إن كانت من الأحكام العقليّة، و لكن بما أنّ حكم العقل هذا ينشأ من وجوب الاحتياط هو ناشٍ من الحكم الواقعي المجعول من ناحية الشارع فيمكن له رفعها