أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٤ - الأمر الخامس موارد الجمع العرفي ليست من التعارض
و يمكن أن يستشهد على ذلك بفهم القدماء من المفسّرين حيث إنّهم كانوا يعاملون الخاصّ الوارد في القرآن الكريم معاملة الناسخ فيعدّونه ناسخاً للعام.
كما يمكن الاستشهاد أيضاً بما رواه الطبرسي (رحمه الله) في كتاب الاحتجاج في جواب مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان ٧ يسألني: بعض الفقهاء عن المصلّي إذا قام من التشهّد الأوّل إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبّر فإن بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير و يجزيه أن يقول: بحول اللَّه و قوّته أقوم و أقعد، فكتب ٧ في الجواب: أنّ فيه حديثين: أمّا أحدهما فإنّه إذا انتقل من حالة إلى حالة اخرى فعليه التكبير، و أمّا الآخر فإنّه روي إذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى، و بأيّهما أخذت من جهة التسليم كان صواباً» [١] حيث إنّه حكم بالتخيير بين الروايتين مع أنّ أحدهما خاصّ و الآخر عام كما هو ظاهر، لكنه عاملهما معاملة المتعارضين.
و لكن الإنصاف أنّ ما ذكرنا مختصّ بالعرف العام، و أمّا العرف الخاصّ فقد يكون على خلاف ذلك إذا علمنا أنّ سيرة المقنّن و الشارع فيه جرت على بيان أحكامه و قوانينه تدريجيّاً كما أنّه كذلك في الشريعة الإسلاميّة، فالعرف بعد ملاحظة هذه السيرة لا يحكم بالتعارض في موارد العام و الخاصّ و إن كانا منفصلين، و لذلك يحمل ما مرّ من معاملة القدماء من المفسّرين على غفلتهم عن هذه السيرة و عدم التفاتهم إلى هذه النكتة.
نعم، إنّ هذا جارٍ بالنسبة إلى الواجبات أو المحرّمات، و أمّا في المستحبّات فللشارع سيرة اخرى، و هى بيان سلسلة مراتب الاستحباب و درجات المطلوبيّة، فيحمل العام فيها على بيان درجة منها و الخاصّ على بيان درجة اخرى، و نتيجته عدم كونهما فيها من باب التخصيص و لا من باب التعارض، حيث إنّهما يجريان في خصوص موارد إحراز وحدة المطلوب لا تعدّده كما قرّر في محلّه.
و من هنا يظهر الجواب عن الشاهد الثاني، و هو حديث الاحتجاج فإنّ مورده من المستحبّات، فالتخيير الوارد فيها ليس من سنخ التخيير بين المتعارضين بل من قبيل تعدّد
[١] وسائل الشيعة: ج ٤، الباب ١٣، من أبواب السجود، ح ٨.