أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٩ - التنبيه التاسع عشر تعارض الاستصحابين
التنبيه التاسع عشر: تعارض الاستصحابين
و قد قسّمه المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى قسمين، فإنّها تارةً يكونان من قبيل المتزاحمين (و قد مرّ في مبحث اجتماع الأمر و النهي أنّ التزاحم عبارة عن كون كلا الدليلين ذا مصلحة واقعيّة و لكن المكلّف لا يقدر على إتيانهما معاً) كما في غريقين نحتمل حياة كلّ منهما، فمقتضى استصحاب حياتهما وجوب إنقاذ كليهما و لكن المكلّف لا يقدر إلّا على إنقاذ واحد منهما.
و اخرى يكونان من قبيل المتعارضين كما إذا علمنا بطهارة أحد الإنائين اللذين كانا نجسين سابقاً فيجري استصحاب نجاسة كلّ واحد منهما مع العلم بمخالفة أحدهما للواقع، و كذلك العكس و هو ما إذا كان الإناءان طاهرين سابقاً ثمّ علمنا بنجاسة أحدهما من غير تعيّن، فاستصحاب طهارة كلّ واحد منهما يعارض استصحاب طهارة الآخر للعلم بكذب أحدهما.
أمّا القسم الأوّل: فقد ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) في هامش الكفاية إلى أنّ حكمه التخيير إلّا أن يكون أحدهما أهمّ من الآخر فيقدّم، كما إذا دار الأمر بين إنقاذ النبي و غيره، أو دار الأمر بين انقاذ مسلم و ذمّي (بقاءً على وجوب إنقاذ الذمّي أيضاً).
لكن الصحيح أنّه على أقسام أربعة:
فتارةً تكون النسبة بينهما التساوي و لا ترجيح لأحدهما على الآخر لا من ناحية المحتمل و لا من ناحية الاحتمال، فالحكم حينئذٍ التخيير بلا إشكال.
و اخرى يكون أحدهما أكثر احتمالًا من الآخر مع تساويهما في جانب المحتمل، كما إذا كانت درجة احتمال نجاة أحدهما ثمانين في المائة و درجة احتمال نجاة الآخر عشرين في المائة مع عدم ترجيح بينهما فيقدّم الأوّل على الثاني طبقاً لقاعدة الأهمّ و المهمّ.
و ثالثة يكون أحدهما أهمّ في جانب المحتمل مع تساويهما في جانب الاحتمال، و مثاله يظهر ممّا ذكرنا فيقدّم الأهمّ أيضاً على المهمّ.
و رابعة يكون أحدهما أكثر احتمالًا و الآخر أهمّ محتملًا، فلا بدّ حينئذٍ من الكسر و الانكسار و تشخيص ما يكون أهمّ في المجموع و تقديمه على الآخر.
و أمّا القسم الثاني: (و هو المتعارضان) فهو بنفسه على قسمين:
فتارةً يكون الاستصحابان طوليين بأن كان الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الشكّ في الآخر