أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٣٤ - التنبيه الرابع هل الاصول المرخّصة تجري أوّلًا في أطراف العلم الإجمالي أو لا؟
التنبيه الرابع: هل الاصول المرخّصة تجري أوّلًا في أطراف العلم الإجمالي أو لا؟
و بعبارة اخرى هل الإشكال في عدم المقتضي أي عدم جريان أدلّة الاصول المرخّصة في أطراف العلم الإجمالي، أو الإشكال في وجود المانع (و سيأتي بيان الفرق بين التقديرين) ففيه وجهان بل قولان:
و استدلّ القائلون بعدم جريانها رأساً بأنّ جريانها يستلزم منه التناقض بين صدر أدلّتها و ذيلها، حيث إنّ مقتضى صدر دليل حجّية الاستصحاب مثلًا و هو «لا تنقض اليقين بالشكّ» شمولها لكلّ واحد من الطرفين و يلزم منه تناقض هذا مع ذيله و هو «بل انقضه بيقين آخر» لأنّ العلم الإجمالي قسم من اليقين فيكون نقض اليقين السابق بيقين آخر لا بالشكّ، و هكذا دليل «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» لأنّ صدره و هو كلّ شيء لك حلال شامل لكلّ واحد من الطرفين فيلزم التناقض بينه و بين ذيله و هو «حتّى تعلم إنّه حرام» حيث إنّه العلم فيه أعمّ من العلم التفصيلي و العلم الإجمالي.
و استدلّ القائلون بتعارضها و تساقطها بعد جريانها:
أوّلًا: بعدّة من الروايات التي لا يكون لها هذا الذيل و تكون مطلقة كقوله ٧: «لا تنقض اليقين بالشكّ» من دون التذييل بقوله: «بل انقضه بيقين آخر» و كقوله ٦: «رفع عن امّتي ما لا يعلمون» في أدلّة البراءة و عدم شمول ما هو مذيل بهذا الذيل لا يمنع عن شمول ما ليس فيه هذا الذيل.
و ثانياً: بدعوى كون العلم المأخوذ في الذيل ظاهراً في العلم التفصيلي، و هو واضح فيما يكون مقيّداً بقيد «بعينه»، و فيما لا يوجد فيه هذا القيد يكون الضمير في مثل قوله: «إنّه حرام» ظاهراً في العلم التفصيلي، و حينئذٍ يكون المقتضي موجوداً و إنّما الكلام في وجود المانع و هو العلم بكذب أحدهما (نظير الخبرين المتعارضين) و لزوم المخالفة القطعيّة فتتساقط بعد جريانها.
أقول: الإنصاف أنّ الصحيح هو القول الثاني لأنّ الغاية لكلمة «حتّى» في هذه الروايات إنّما هو العلم التفصيلي إمّا لظاهر كلمة «بعينه» بل صريحها، أو لظاهر الضمير في قوله ٧ «إنّه حرام» كما مرّ آنفاً.