أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٨ - التنبيه التاسع بعض تطبيقات الأصل المثبت
قد يقال: أنّ الأحكام الوضعيّة على ثلاثة أقسام:
قسم منها ما يقع تحت يد الجعل ذاتاً و استقلالًا نظير الزوجيّة و الملكيّة.
و قسم منها ما يقع تحت يد الجعل بمنشإ انتزاعه كالجزئيّة و الشرطيّة للمكلّف به، فإنّ شرطيّة الطهارة أو مانعية النجاسة مجعول تبعي و أمره بيد الشارع وضعاً و رفعاً، لكن من طريق وضع منشأ انتزاعه و رفعه.
و قسم ثالث ما لا يكون مجعولًا للشارع لا نفسه و لا منشأ انتزاعه، لكونه من الامور التكوينيّة كشرائط التكليف، مثل دلوك الشمس للصلاة و غيره ممّا يكون داعياً و باعثاً للمولى على الحكم (و لكن قد ذكرنا سابقاً أنّ شرائط التكليف أيضاً ترجع إلى قيود الموضوع فتكن مجعولةً).
أمّا القسم الأوّل فقال المحقّق الخراساني (رحمه الله) بعدم كون الاستصحاب فيه مثبتاً، و أمّا القسم الثاني فقد يتوهّم كون الاستصحاب فيه مثبتاً لكونه من الامور الانتزاعيّة العقليّة لا الآثار الشرعيّة، و لكن أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّه أيضاً مجعول للشارع تبعاً بجعل منشأ انتزاعه فأمره أيضاً بيد الشارع وضعاً و رفعاً، فلا يكون الاستصحاب فيه مثبتاً، و أمّا القسم الثالث فمن الواضح أنّ الاستصحاب فيه مثبت.
أقول: أوّلًا: أنّ هذا النزاع أيضاً ممّا لا طائل تحته، لأنّه لا حاجة إلى استصحاب شرطيّة الطهارة مثلًا حتّى يقال بأنّه مثبت، بل يكفي استصحاب حكم تكليفي يوجد في جنب هذا الحكم الوضعي، و هو مفاد قوله تعالى «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ...» فيكفي استصحاب وجوب الوضوء عن استصحاب شرطيّة الوضوء للصلاة.
و ثانياً: أنّ معنى الأصل المثبت في كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام نطاقه أوسع ممّا مرّ، حيث إنّه في ما سبق كان عبارة عن ترتيب الآثار الشرعيّة بوساطة الآثار العقليّة أو العادية على المستصحب، و في المقام يعمّ ما إذا كان نفس المستصحب أو الأثر المترتّب عليه بلا واسطة أمراً عقليّاً و لم يكن له أثر شرعي، و بهذا يندفع ما أورده المحقّق الأصفهاني (رحمه الله عليه) من هذه الناحية.
٣- في أنّه لا فرق أيضاً في المستصحب أو المترتّب على المستصحب بين أن يكون هو ثبوت حكم و وجوده، أو نفيه و عدمه.