أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥ - الأوّل الآيات
صغرى كون الاحتياط في الشبهات من مصاديق التقوى الواجبة، فإنّها عبارة عن الإتيان بالواجبات و الاجتناب عن المحرّمات، و أمّا ترك الشبهات فهو مرتبة عالية من التقوى و لا دليل على وجوبها بجميع مراتبها كما أنّ الاجتناب عن المكروهات أيضاً من مراتبه و هو غير واجب.
الطائفة الثانية: ما دلّ على النهي عن القول بغير علم:
منها قوله تعالى: «إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشَاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» [١].
و منها قوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ... وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» [٢].
و تقريب الاستدلال بها أنّ الحكم بترخيص الشارع لمحتمل الحرمة افتراء و قول عليه بغير علم حيث إنّه لم يأذن فيه.
و الجواب عنها: أنّ الترخيص في محتمل الحرمة حكم ظاهري ثابت بأدلّة قطعيّة، فليس هو قول بغير علم بل إنّه صادق في الحكم بوجوب الاحتياط لعدم دليل عليه.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على النهي عن الإلقاء في التهلكة، و هى قوله تعالى: «وَ لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» [٣] بتقريب أنّ الإقدام في الشبهات مصداق من مصاديق الإلقاء في التهلكة.
و يرد عليه: أنّ الاستدلال بها غير تامّ صغرى و كبرى، أمّا الصغرى، فلأنّ كون ارتكاب المشتبهات من مصاديق الإلقاء في التهلكة أوّل الدعوى و مصادرة بالمطلوب لعدم دليل عليه، و أمّا الكبرى، فلأنّ النهي الوارد في هذه الآية يكون من قبيل النواهي الواردة في باب الإطاعة لأنّ التهلكة عبارة عن العقاب الاخروي الناشئ من العصيان، و قد مرّ في مبحث الأوامر و النواهي أنّ الواردة منها في باب الإطاعة إرشاديّة و إلّا يلزم التسلسل المحال، فلا دلالة لهذه الآية على الحرمة، هذا إذا كان المراد من التهلكة ما ذكرنا من العقاب الاخروي، و أمّا إذا كان بمعنى الهلاكة الدنيويّة فلا ربط لها بالمقام كما لا يخفى.
[١] سورة البقرة: الآية ١٦٩.
[٢] سورة الأعراف: الآية ٣٣.
[٣] سورة البقرة: الآية ١٩٥.