أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥ - المقام الثاني في كيفية دلالة الحديث على المطلوب
التكوين و عالم التشريع، و كون ترك الشرب أمراً عدميّاً إنّما هو بلحاظ عالم التكوين، و أمّا في عالم التشريع فلا إشكال في أنّ لترك الشرب أثراً و ثقلًا و كلفة لو لا حديث الرفع بلحاظ ترتّب الكفّارة عليه، فيمكن للشارع رفعه بهذا الحديث.
الأمر الثامن: قد ورد في ذيل الحديث ثلاثة عناوين ينبغي فهمها و توضيحها و إن كانت خارجة عن موضوع البراءة، و هى: الحسد، و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق (بناءً على ما ورد في مرفوعة محمّد بن أحمد الهندي المذكورة سابقاً) أو التفكّر في الوسوسة في الخلق (بناءً على ما ورد في معتبرة حريز بن عبد الله المذكورة سابقاً أيضاً).
أمّا الحسد فلا إشكال في أنّ المراد منه في الحديث تلك الحالة النفسانية التي توجب عدم تحمّل الإنسان نعمة أعطاها اللَّه تعالى أخاه المؤمن قبل إظهارها عملًا، و أمّا إذا أقدم على عمل لإزالتها فلا إشكال أيضاً في كونه معصية و لا يكون حينئذٍ مشمولًا للحديث الشريف.
إن قلت: هذه الحالة النفسانيّة قبل إبرازها في مقام العمل أمر غير اختياري فلا معنى لحرمتها لو لا الحديث حتّى ترفع امتناناً.
قلنا: يمكن عادةً رفع هذه الحالة بالمجاهدات و الرياضات النفسانيّة و التفكّر في أنّها ملكة رذيلة توجب خسّة النفس و دناءتها فيكون رفعها تحت اختيار الحاسد، و يمكن للشارع عدم رفعها بوجوب تهذيب النفس فيكون رفعه للوجوب منّة على العباد.
أمّا الطيرة فهى من مادّة الطير، بمعنى التشؤّم و قراءة الطالع بالطيور، ثمّ توسّع في ذلك حتّى عمّت سائر طرق التشؤّم، فإنّ العرب في الجاهلية كانت تلتزم و تعتني بما يتشأّم بالطيور و غيرها، و كانت الطيور تسدّهم عن مقاصدهم، فللشارع المقدّس أن يمضي تلك الالتزامات، و لكنّه ردع عنها امتناناً حتّى لا يتعطّل حياتهم لُامور لا واقع لها.
و أمّا الوسوسة في التفكّر في الخلق (أو التفكّر في الوسوسة في الخلق) فالمراد من الخلق في هذه الجملة يمكن أن يكون على أحد معنيين:
الأوّل: أن يكون بمعنى الخالق، أي خالق اللَّه عز و جل، فيتفكّر في أنّه مَن خَلَقَ الباري تعالى؟
و هو سؤال يشكل جوابه على العوام (و إن كان واضحاً عند المحقّقين لأنّ الحاجة إلى الخالق تتصوّر بالنسبة إلى كلّ حادث أو ممكن الوجود، و اللَّه تبارك و تعالى لا يكون حادثاً أو