أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٤ - التنبيه الرابع في حسن الاحتياط مطلقاً حتّى مع قيام الحجّة على العدم
التنبيه الرابع: في حسن الاحتياط مطلقاً حتّى مع قيام الحجّة على العدم
لا إشكال في اختلاف موارد الاحتياط من جهات ثلاثة: من ناحية قوّة درجة الاحتمال و ضعفها، و من ناحية قوّة المحتمل و ضعفها، و من ناحية قيام الأمارة على الجواز و عدمه.
ذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى حسن الاحتياط مطلقاً في مطلق الشبهات سواء كانت وجوبيّة أو تحريميّة و سواء كانت حكميّة أو موضوعيّة و سواء قامت الحجّة على العدم أم لم تقم و سواء كان الاحتمال أو المحتمل قويّاً أو ضعيفاً، نعم إنّه قال: إنّ حسن الاحتياط مطلقاً منوط بعدم إخلاله بالنظام و إلّا يكون الاحتياط قبيحاً فلا بدّ حينئذٍ من ترجيح بعض الاحتياطات على بعض، أمّا بملاك أقوائية الاحتمال أو أقوائيّة المحتمل أو بملاك عدم قيام الأمارة على العدم.
أقول: هنا نكتتان ينبغي ذكرهما في المقام:
إحداهما: إنّ اختلال النظام من العناوين الثانوية للأحكام و لا خصوصيّة له في المقام بل كلّ عنوان ثانوي يزاحم حسن الاحتياط لا بدّ من تقديمه عليه، كما إذا لزم من الاحتياط ترك المراودة و المعاشرة مع المؤمنين أو ترك صلة الأرحام أو إيذاء المؤمن أو هتكه أو لزم منه تشويه وجه المذهب في الأنظار أو ترك أمر أهمّ كتحصيل العلم لطلّاب العلوم الدينية (و كلّ هذه العناوين ممّا يبتلى بها كثيراً في الاحتياط التامّ) فلا حسن في مثل هذه الموارد للاحتياط و إن لم يلزم منها اختلال النظام.
الثانية: يمكن أن يقال: إنّه لا دليل أصلًا على حسن الاحتياط التام في الشبهات الموضوعيّة في جميع الموارد، بل الدليل على خلافه فيما إذا قامت الأمارة على الخلاف، و الشاهد على ذلك لحن الروايات الواردة عن المعصومين بالنسبة إلى سوق المسلمين في الجبن و غيره نظير ما رواه أبو الجارود قال: سألت أبا جعفر ٧ عن الجبن فقلت له: أخبرني من رأى إنّه يجعل فيه الميتة، فقال: أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرّم في جميع الأرضين؟ إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكله و إن لم تعلم فاشتر و بع و كل، و اللَّه إنّي لأعترض السوق فأشتري بها اللحم و السمن و الجبن، و اللَّه ما أظنّ كلّهم يسمّون هذه البربر و هذه السودان» [١].
فإنّ مقتضى السياق العرفي لهذه الرواية و أمثالها مرجوحية الاحتياط و إنّه مرغوب عنه
[١] وسائل الشيعة: الباب ٦١، من أبواب الأطعمة المباحة، ح ٥.