أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٧ - التنبيه السابع استصحاب أحكام الشرائع السابقة
إلى نفسه و إن علم بثبوتها في حقّ آخرين، فإنّ الحكم الثابت في حقّ جماعة لا يمكن إثباته في حقّ جماعة اخرى لتغاير الموضوع، و لذا يتمسّك في تسرية الأحكام الثابتة للحاضرين أو الموجودين إلى الغائبين أو المعدومين بالإجماع و الأخبار الدالّة على اشتراك جميع الامّة في الحكم، لا بالاستصحاب.
و اجيب عنها: بأنّ الحكم الثابت في الشريعة السابقة لم يكن ثابتاً لخصوص الافراد الموجودين في الخارج بنحو القضية الخارجية، بل الحكم كان ثابتاً لعامّة المكلّفين بنحو القضية الحقيقيّة، فإذا شكّ في بقائه لهم لاحتمال نسخه في هذه الشريعة استصحب.
الثانية: من ناحية الشكّ اللاحق، فإنّا نتيقّن بارتفاعها بنسخ الشريعة السابقة بهذه الشريعة فلا شكّ في بقائها حينئذٍ حتّى يكون من قبيل نقض اليقين بالشكّ فيستصحب، بل إنّه من قبيل نقض اليقين باليقين.
و اجيب عنها أيضاً: أوّلًا: بأنّ نسخ الشريعة السابقة ليس بمعنى نسخ جميع أحكامها فإنّ كثيراً من أحكام الشرائع السابقة باقية في هذه الشريعة أيضاً كحرمة الزنا و الغيبة و غيرهما.
و إن شئت قلت: إن اريد من النسخ نسخ كلّ حكم إلهي من أحكام الشريعة السابقة فهو ممنوع، و إن اريد نسخ البعض فالمتيقّن من المنسوخ ما علم بالدليل، فيبقى غيره على ما كان عليه و لو بحكم الاستصحاب.
إن قلت: إذا علمنا بنسخ بعضها إجمالًا صار جميعها من أطراف العلم الإجمالي فلا يمكن الاستصحاب فيها.
قلنا: إنّ العلم الإجمالي هذا ينحلّ إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي، فإنّ مقدار المعلوم بالتفصيل ينطبق على مقدار المعلوم بالإجمال.
و ثانياً: إنّا نفرض الشخص الواحد مُدركاً للشريعتين، فإذا استصحب هو بالنسبة إلى نفسه تمّ الأمر في حقّ غيره من المعدومين بقيام الضرورة على اشتراك أهل الزمان الواحد في الشريعة الواحدة، و قد اجيب عن هذا الجواب بأنّ ذلك غير مجد في تسرية الحكم من المدرك للشريعتين إلى غيره من المعدومين، فإنّ قضيّة الاشتراك ليس إلّا أنّ الاستصحاب حكم كلّ من كان على يقين فشكّ، لا حكم الكلّ و لو من لم يكن كذلك.