أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٩ - ١- جواز التقليد للعامي
و هما و إن وردا في باب القضاء و لكن ظاهرهما أو صريحهما كون النزاع في الشبهات الحكميّة فلو جاز الرجوع إلى القضاة فيها مع النزاع جاز الرجوع إليهم فيها بدونه أيضاً فتأمّل.
و منها ما رواه إسحاق بن يعقوب عن الإمام الحجّة ٧: «... و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللَّه ...» [١].
و منها: عدّة من الأحاديث الواردة في نفس الباب مثل الحديث ١١ و ١٥ من الباب الحادي عشر من المستدرك، و مثل الحديث ١٥ و ٢١ و ٣٤ و ٣٥ و ٣٦ من الباب الحادي عشر من الوسائل (و إن كان بعضها لا يخلو عن كلام) ممّا يدلّ على إرجاع الناس إلى أعاظم أصحابهم نظير زرارة و أبي بصير و محمّد بن مسلم و زكريّا بن آدم و بريد بن معاوية و أشباههم، و لا شكّ أنّهم كانوا ممّن يعالجون تعارض الأخبار و يجمعون بين المطلق و المقيّد و العام و الخاصّ و ما يشبه ذلك، و لا شكّ في أنّ هذه نوع من الاجتهاد فالأخذ منهم كان من باب أخذ المقلّد من المجتهد.
إلى غير ذلك ممّا ورد في هذا المعنى و هى متفرّقة في أبواب مختلفة من الوسائل و المستدرك في أبواب صفات القاضي.
الأمر الرابع: إجماع المسلمين، و قد يعبّر عنه بسيرة المتشرّعة لأنّه إجماع عملي و الظاهر أنّه أيضاً ينشأ من بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم، و لا أقلّ من احتماله، أي احتمال أنّ المتشرّعين و المتديّنين بنوا على الرجوع إلى العالم بالمسائل الشرعيّة لا بما هم متشرّعون بهذا الشرع المقدّس بل بما هم عقلاء أو بما أنّه من الامور الفطريّة الارتكازيّة (كما اعترف به المحقّق الخراساني) ثمّ أمضاه الشارع المقدّس و إذاً ليس الإجماع أو السيرة دليلًا مستقلًا برأسه.
هذا كلّه ما يمكن أن يستدلّ به لجواز التقليد، و لكن مع ذلك كلّه نقل صاحب المعالم و صاحب الفصول عدم جوازه عن جماعة، فقال صاحب المعالم (قدس سره)، أنّه عزى في الذكرى إلى بعض علماء الأصحاب و فقهاء حلب منهم القول بوجوب الاستدلال على العوام، و قال
[١] مستدرك الوسائل: الباب ١١، من أبواب صفات القاضي، ح ٩.