أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٠٠ - ١- جواز التقليد للعامي
صاحب الفصول (قدس سره): «ذهب شرذمة إلى عدم جواز التقليد» و المشهور أيضاً أنّ الأخباريين منكرون لجواز التقليد.
و يمكن أن يستدلّ لهم أنّ العامي إمّا أن يكون عربياً يفهم الكتاب و السنّة، و يدرك مفاهيم الألفاظ و اللغات، فلا حاجة له حينئذٍ إلى الرجوع إلى المجتهد، بل هو بنفسه يلاحظ أدلّة الأحكام و يعمل بها، و أمّا أن يكون عجمياً فهو و إن لا يدرك معاني الألفاظ و اللغات و لكن لا حاجة له إلى التقليد أيضاً لأنّه يكفيه دلالة المجتهد إلى موارد الأدلّة و وضعها بين يديه حتّى يصير قادرا على استخراج الأحكام و استنباطها منها، فالمجتهد حينئذٍ يكون من قبيل المترجم فحسب، لا مرجعاً و مقلّداً.
و لكنّه واضح البطلان، أمّا في عصرنا هذا فلما نشاهده من سعة دائرة الفقه و أدلّة الأحكام و القواعد، و البعد الحاصل بيننا و بين عصر الأئمّة المعصومين :، الذي يوجب بطبعه غموضاً شديداً في فهم أدلّة الأحكام و مقاصد الإمام ٧ فإنّ تعليمها بجميع المقلّدين و عرضها لهم يستلزم نفر جميعهم إلى الحوزات العلميّة، و هذا ممّا يلزم منه اختلال النظام و المعاش.
و أمّا بالنسبة إلى أعصار الأئمّة المعصومين : التي كان تحصيل المسائل فيها خفيف المئونة، و إسناد الروايات فيها واضحة، أو لم يكن حاجة إليها لإمكان الوصول إلى الأئمّة : مباشرةً و بدون الواسطة، و بالجملة كان الاجتهاد و الاستنباط في ذلك الزمان بسيطاً جدّاً بالنسبة إلى زماننا هذا، فبالنسبة إلى تلك الأعصار نقول أيضاً: لم يكن تحصيل ملكة الاجتهاد ممكناً لجميع الناس خصوصاً لغير العرب، سيّما إذا لاحظنا أنّ كثيراً من الناس فاقدون للاستعداد اللازم لفهم المسائل الشرعيّة الدقيقة، بل و في مستواها البسيط، و هذا ممّا ندركه بوجداننا بالإضافة إلى عوام عصرنا فتدبّر.
و الحاصل: أنّ فرض إمكان الاجتهاد لجميع آحاد الناس في جميع الأحكام الشرعيّة من دون فرق بين الرجال و النساء، و من كان قريب العهد بالبلوغ من البدوي و القروي و غيرهما أمر يشبه بالخيال و الرؤيا، و من يدّعيه إنّما يدّعيه باللسان و يخالفه عند العمل، كما هو ظاهر، كما أنّ الأمر كذلك في سائر العلوم.
هذا- و عمدة أدلّتهم لعدم جواز التقليد هى الآيات الناهية بظاهرها عن التقليد، و هى على طائفتين: