أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٣ - الأمر الأوّل الاقتصار على المرجحات المنصوصة و عدمه
الثالث: حكم العقل بوجوب ترجيح ذي المزيّة
و ذلك بدعوى أنّه لو لم يجب ترجيح ذي المزيّة لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح عقلًا بل ممتنع قطعاً.
و اجيب عنه أو يمكن أن يجاب عنه أوّلًا: بإشكال صغروي، و هو إنّا نقبل وجوب ترجيح ذي المزية كبرويّاً و لكن فيما إذا كانت المزية موجبة لتأكّد ملاك الحجّية بنظر الشارع لا مطلقاً، إذ من الممكن أن تكون المزية بالنسبة إلى ملاك الحجّية هى كالحجر في جنب الإنسان، و معه لا يكاد يجب الترجيح، بل الترجيح بها ترجيح بلا مرجّح، و هو قبيح عقلًا كترجيح المرجوح على الراجح عيناً.
و ثانياً: سلّمنا إيجاب المزيّة تأكّداً في ملاك الحجّية، و لكنّه فيما إذا أُوجبت التأكّد على حدّ الإلزام لا على حدّ الاستحباب، و بعبارة اخرى: إنّا لا نقبل قبح ترجيح المرجوح على الراجح مطلقاً، و لا يخفى أنّ هذا إشكال في كلّية الكبرى.
و ثالثاً: بما أورده المحقّق الخراساني (رحمه الله) على إضراب المستدلّ من الحكم بالقبح إلى الامتناع، و حاصله: أنّ ترجيح المرجوح على الراجح في الأفعال الاختياريّة كاختيار أحد الكأسين لشرب الماء مثلًا مع كونه دون صاحبه في المزايا و الجهات المحسنة بلا داع عقلائي هو أمر قبيح عقلًا و ليس بممتنع أبداً، و ذلك لجواز وقوعه من غير الحكيم خارجاً بلا استحالة له أصلًا، فإنّ الممتنع هو تحقّق الشيء بلا علّة و سبب، و ليس ترجيح المرجوح كذلك، إذ يكفي إرادة الفاعل المختار علّة له و سبباً، نعم يستحيل وقوع ذلك من الحكيم تعالى بالعرض بعد فرض كونه حكيماً لا يرتكب القبيح أبداً.
أقول: إنّ كلامه (رحمه الله) هنا أقوى شاهد على بطلان ما ينسب إليه في مبحث الطلب و الإرادة و مبحث التجرّي من الميل إلى اعتقاد الجبر، فتدبّر.
بقي هنا امور:
الأمر الأوّل: الاقتصار على المرجحات المنصوصة و عدمه
(و هى الشهرة و موافقة الكتاب و مخالفة العامّة كما مرّ) أو يتعدّى منها إلى غيرها