أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٩ - ثمرة هذا البحث
الشرائع السابقة (و هو جعل الأحكام على نهج القضايا الحقيقيّة) فإنّا لا نقبل جعل أحكام شريعة موسى ٧ مثلًا على نحو تشمل الأفراد بعد انقضاء شريعته، بل إنّما شرّعت لُامّة موسى ٧ فقط.
و كذا الجواب الثاني عن الإشكال الثاني (و هو قضيّة المدرك للشريعتين) فهو أيضاً فاسد لأنّه بعد العلم بنسخ جميع أحكام الشريعة السابقة لا يبقى شكّ لمُدرك الشريعتين في عدم بقاء تلك الأحكام، حتّى تتمّ أركان الاستصحاب بالنسبة إليه فيستصحبها.
هذا تمام الكلام في أصل جريان استصحاب أحكام الشريعة السابقة، و قد ظهر من جميع ما ذكرنا عدم جريانه حتّى بناءً على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة فضلًا عن عدم جريانه فيها كما هو المختار.
ثمرة هذا البحث
ثمّ إنّه بناءً على جريان استصحاب الشرائع السابقة قد يقال: أنّ ثمرته تظهر في موارد شتّى في الفقه:
١- مسألة القرعة، حيث يظهر من قصّة مريم في قوله تعالى: «وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» [١] و من قصّة يونس في قوله تعالى: «فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ» [٢] حجّية القرعة في خصوص موارد التشاحّ و المخاصمة و التنازع في شريعة زكريّا و شريعة يونس، فيمكن إثباتها في هذه الشريعة بالاستصحاب.
نعم لا حاجة إلى هذا الاستصحاب لو فهمنا من مجرّد نقل القضيتين في كتاب اللَّه إمضاء الشارع لحجّية القرعة، و لكن أنّى لنا بإثبات ذلك؟
٢- مسألة اعتبار قصد القربة في الأوامر و عدمه، حيث يظهر من قوله تعالى: «وَ مَا أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» [٣] اعتبار قصد القربة في جميع أوامر الشرائع السابقة، فإنّ الضمير في «امروا» راجع إلى أهل الكتاب، فيستفاد منه أنّ الأصل في دوران الأمر بين
[١] سورة آل عمران: الآية ٤٤.
[٢] سورة الصافات: الآية ١٤١.
[٣] سورة البيّنة: الآية ٥.