أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧١ - ثمرة هذا البحث
الشرائع السابقة كالتي وردت في جميع أبواب المعاملات، أوامر توصّلية، كما أنّه كذلك في شريعتنا، فإنّ العبادات معدودة محدودة في مقابل غيرها.
و منها: أنّ الآية صدراً و ذيلًا وردت في التوحيد مقابل الشرك، و لا ربط لهما بمسألة قصد القربة، و الشاهد عليه ما ورد في ذيلها: «وَ ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» و هكذا التعبير ب «حنفاء» (فإنّ الحنيف بمعنى المائل عن الشرك إلى التوحيد) و كذلك الآيات الواردة في ما قبلها و ما بعدها فإنّها جميعاً وردت في أهل الكتاب و المشركين فراجع، فإنّ التأمّل في الآية نفسها و في ما قبلها و ما بعدها ممّا يوجب القطع بأنّها في مقام نفي الشرك و إثبات التوحيد من دون نظر لها إلى مسألة قصد القربة في الأوامر.
و العمدة في الإشكال على الاستدلال بالآية هو الإشكال الأخير.
٣- ما يستفاد من قصّة يوسف ٧ من قوله تعالى: «قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ» [١] حيث إنّ التعبير ب «حمل» يدلّ على عدم اعتبار معلوميّة المقدار في الجعالة (لأنّ مقدار حمل بعير أمر مجهول) و بالاستصحاب نثبته في شريعتنا، هذا أوّلًا.
و ثانياً: أنّ قوله تعالى: «وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ» يدل على جواز ضمان ما لم يجب (ما لم يكن فعليّاً) حيث إنّه يثبت الضمان في الجعالة قبل أن يتحقّق في الخارج عمل، و مقتضى استصحاب بقائه جواز ضمان ما لم يجب في شريعتنا أيضاً.
و اجيب عنه: أوّلًا: بأنّه لا دليل على عدم كون حمل البعير معلوم المقدار، بل لعلّه كان معلوماً، كما أنّه كذلك اليوم في بعض البلاد، فيكون مقدار حمل الحمار (خروار) في بعض البلاد مائة منّ، و في بعض آخر ٧٥ منّاً، و في بعض ثالث ٤٥ منّاً.
و ثانياً: لا دليل على أنّ ما وقع في تلك القضيّة كان بصيغة الجعالة، بل لعلّه كان مجرّد وعد بإعطاء حمل بعير بعنوان الجزاء و الجائزة، كما نشاهده في يومنا هذا في بعض الإعلانات لكشف الضالّة.
و ثالثاً: لا دليل على أنّ القصّة بتمامها كان بمحضر من يوسف حتّى يستفاد منها الامضاء و المشروعيّة.
[١] سورة يوسف: الآية ٧٢.