أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٠ - ثمرة هذا البحث
التعبّديّة و التوصّليّة هو التعبّديّة، فيجري هذا الحكم بمئونة الاستصحاب في شريعتنا.
و لكن أورد عليه بإشكالات عديدة:
منها: أنّه متوقّف على كون المراد من كلمة «مخلصين» اعتبار قصد القربة، مع أنّ المراد منها التوحيد في مقابل الشرك.
و اجيب عنه: بأنّ الشاهد على المقصود في الآية إنّما هو قوله تعالى: «وَ مَا أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ» فإنّه ظاهر في أنّ جميع أوامر الشرائع السابقة صدرت لعبادة اللَّه، فلا حاجة إلى ظهور كلمة «مخلصين» في قصد القربة.
و منها: أنّه متوقّف على صدور أوامرها على نهج القضايا الحقيقيّة، مع أنّ نزول كلمة «امروا» بصيغة الماضي ظاهر في أنّها صدرت على نهج القضايا الخارجية فلا يمكن استصحابها.
و يمكن الجواب عنه: بأنّه لا دلالة في صيغة الماضي على خارجية القضايا، حيث إنّها ناظرة إلى القوانين التي شرّعت في الشرائع السابقة، و لا إشكال في أنّ القانون يكون غالباً على نحو القضية الحقيقيّة.
و منها: أنّه لا حاجة إلى الاستصحاب في المقام، حيث إنّ قوله تعالى في ذيل الآية:
«وَ ذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» بنفسه ظاهر في الدوام و البقاء.
و اجيب عنه: بأنّ مرجع اسم الإشارة «ذلك» لعلّه هو قوله «مخلصين»، أي التوحيد في مقابل الشرك لا ما قبله، خصوصاً بقرينة الأقربية.
و منها: أنّه مبنيّ على كون الغاية في الآية و هى قوله تعالى «ليعبدوا» غاية لفعل الناس حتّى يكون المعنى: و ما امروا إلّا لأن يقصد الناس القربة و يكونوا عابدين للَّه تعالى، مع أنّه يحتمل كونها غاية لفعل اللَّه تعالى فتكون الآية حينئذٍ ناظرة إلى بيان حكمة أوامره تعالى، و المعنى: أنّ فلسفة الأحكام الإلهيّة و حكمة الأوامر الشرعيّة الأعمّ من التعبّدي و التوصّلي إنّما هو تربية اللَّه عباده لأن يكونوا عابدين مخلصين، فتكون الآية حينئذٍ قريبة الافق من قوله تعالى: «وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ»، و من الواضح أنّها عندئذٍ لا ربط لها بالمقام، حيث إنّها صادقة حتّى بالنسبة إلى الأوامر التوصّلية.
و منها: أنّ لازم هذا المعنى التخصيص بالأكثر، فإنّ من المعلوم أنّ أكثر الأوامر الواردة في