أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٤ - الأقوال في حجّيّته الاستصحاب و بيان أدلّتها
السيرة، و في مبحث خبر الواحد أيضاً قدّم السيرة مع الالتزام بالدور من الطرفين على وجه دون وجه، و في هامش المبحث المزبور التزم بحجّية الخبر لاستصحاب حجّيته الثابتة قبل نزول الآيات بعد دوران الأمر بين الردع و التخصيص، و في هذا الموضع قدّم الآيات الناهية، و ادّعى كفايتها في الرادعيّة» [١].
أقول: قد مرّ سابقاً أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ لا يمكن أن تكون رادعة عن سيرة العقلاء على العمل، لأنّ المراد من الظنّ فيها ليس هو الظنّ المصطلح (و هو الاحتمال الراجح في مقابل العلم و الشكّ والوهم) بل إنّه في هذا القبيل من الآيات إشارة إلى الظنون الواهية و التخيّل و الخرص، كما تؤيّده القرائن الموجودة في نفس الآيات، مثل ما ورد في قوله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى الأَنْفُسُ» [٢] فعطف على الظنّ ما تهوى الأنفس، و ما ورد في قوله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ» [٣] ففسّر الظنّ بالخرص و هو التخمين و الحدس بغير أساس و دليل. مضافاً إلى ورود هذه الآيات في المشركين و عبدة الأصنام الذين لم تكن عبادتهم للأصنام ناشئة من ظنّ عقلائي و أساس برهاني بلا ريب، بل من توهّمات باطلة و خيالات كاسدة. هذا أوّلًا.
و يشهد له ثانياً: أنّه لو كان كذلك للزم تخصيص هذه الآيات في موارد العمل بالظواهر و البيّنة و خبر الواحد و قول ذي اليد و غيرها، مع أنّ لحنها آبٍ عن التخصيص كما لا يخفى.
و ثالثاً: أنّ الظاهر ورودها في خصوص اصول الدين و المسائل الاعتقاديّة التي لا يقاس عليها الفروع و المسائل الفرعيّة.
ثمّ إنّ هنا كلاماً للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله)، و هو أنّ «اللازم في حجّية السيرة العقلائيّة مجرّد عدم ثبوت الردع عنها من الشارع، و لا يجب إحراز الامضاء و إثبات عدم الردع، حتّى يجب البناء على عدم حجّيتها بمجرّد عدم العلم بالامضاء أو الجهل بعدم الردع لأنّ الشارع بما هو عاقل بل رئيسهم العقلاء متّحد المسلك معهم إلّا إذا أحرز اختلاف مسلكه معهم بما هو شارع» [٤].
[١] راجع نهاية الدراية: ج ٥- ٦، ص ٢٩، طبع مؤسسة آل البيت :.
[٢] سورة النجم: الآية ٢٣.
[٣] سورة يونس: الآية ٦٦.
[٤] راجع نهاية الدراية: ج ٦- ٦، ص ٣٠- ٣١.