أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٦ - الأقوال في حجّيّته الاستصحاب و بيان أدلّتها
و الأمارات الشرعيّة أساساً عقلائياً، و ما قد يتوهّم من أنّه ليس لهم إلّا الأمارات كلام باطل، و ليكن هذا على ذكر منك حتّى نتلو عليك منه ذكراً.
و ثانياً: (بالنسبة إلى قوله بعدم وجود معيار للأماريّة في الاستصحاب، و أنّ مجرّد اليقين السابق غير كافٍ فيها) فلأنّه يمكن أن يقال: إنّ معيار الأماريّة في الاستصحاب إنّما هو الغلبة، فإنّ الغلبة في موت الأفراد و حياتهم على الحياة، و في السلامة و المرض على السلامة، و في الطرق و الأماكن و نظائرهما على البقاء على حالها.
نعم هذا كلّه في الموضوعات و الشبهات الموضوعيّة، كما أنّ تمام ما ذكرنا من الأمثلة كحياة زيد و وكالة عمر و الملكية و الزوجيّة و غيرها كانت من الموضوعات الخارجية، و أمّا الشبهات الحكميّة و الأحكام الكلّية فإن كان الشكّ في نسخها كان بناء العقلاء على عدم النسخ ما لم يثبت جعل قانون جديد، و أمّا بالنسبة إلى غير النسخ من مناشٍ اخر للشكّ في بقاء الحكم كما إذا قرّرت الحكومة وضع ضرائب على العنب و شكّ في بقائها بعد تبدّل العنب إلى الزبيب (بناءً على أنّه من الحالات لا من المقوّمات) فلا يستصحب أحد من العقلاء بقاء تلك الضرائب كما لا يخفى، و سيوافيك لذلك مزيد توضيح في محلّه إن شاء اللَّه.
الثاني: الاستقراء في الأبواب المختلفة من الفقه
و قد قال الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في هذا المجال: «إنّا تتبّعنا موارد الشكّ في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع فلم نجد من أوّل الفقه إلى آخره مورداً إلّا و حكم الشارع فيه بالبقاء، إلّا مع أمارة توجب الظنّ بالخلاف كالحكم بنجاسة البلل الخارج قبل الاستبراء، فإنّ الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة، و إلّا لوجب الحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة، بل لغلبة بقاء جزء من البول أو المني في المخرج، فرجّح هذا الظاهر على الأصل (و هو أصالة الطهارة) كما في غسالة الحمّام عند بعض، و البناء على الصحّة المستند إلى ظهور فعل المسلم، و الإنصاف أنّ هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع» (انتهى).
أقول: و من هذه الموارد حكم الشارع باستظهار الحائض بعد مضيّ أيّام العادة إلى عشرة أيّام فورد في الحديث: «تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة» أي تستصحب.