أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٠٦ - التنبيه الثالث عشر استصحاب الكتابي
بنبوّة محمّد ٦، و حينئذٍ لا يبقى لنا شكّ بالنسبة إلى نبوّة نبيّنا إذا لاحظنا العلامات التي ذكرها عيسى ٧ لتشخيص نبوّة محمّد ٦، فلا يمكن التفكيك بين نبوّة عيسى ٧ و نبوّة محمّد ٦ و دعوى اليقين بأحدهما دون الآخر.
نعم، قد ورد في ذيل الكلام المزبور: «و كافر بنبوّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوّة محمّد و كتابه» و لكنّه محمول على صدره و يفسّر به، فالمراد من هذه العبارة كون الاعتراف بنبوّة عيسى ٧ (و هو وجود شخصي) مقيّداً بإخباره عن نبوّة محمّد ٦ و لا يمكن العكس بأن يجعل الذيل تفسيراً للصدر لما هو المعلوم من الخارج أنّ عيسى ٧ كان جزئياً حقيقياً.
بقي هنا شيء:
و هو تحقيق في كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله) في المقام، الذي يتلخّص في ثلاث مقامات:
الأوّل: في أنّه لا فرق في جريان الاستصحاب و حجّيته بين أن يكون المستصحب من الأحكام الفرعيّة أو الموضوعات الخارجيّة أو اللغويّة (إذا كانت ذات أحكام شرعيّة) و بين أن يكون من الامور الاعتقاديّة التي كان المهمّ فيها شرعاً هو الانقياد و التسليم و الاعتقاد (بمعنى عقد القلب عليها) أي من الأعمال القلبيّة الاختياريّة، لأنّ ذاك من أعمال الجوارح و هذا من أعمال الجوانح، فلا إشكال في جريان استصحاب في كليهما موضوعاً و حكماً فيما إذا كان هناك يقين سابق و شكّ لاحق.
إن قلت: إنّ الاستصحاب أصل عملي فيجب إجراءه في الفروع العمليّة و لا معنى لإجرائه في الامور الاعتقاديّة.
قلنا: أنّ معنى كونه أصلًا عملياً أنّه وظيفة للشاكّ تعبّداً في ظرف شكّه و تحيّره في قبال الأمارات الحاكية عن الواقع الرافعة للشكّ و لو تعبّداً لا أنّه يختصّ بالفروع العمليّة المطلوب فيها عمل الجوارح، بل يعمّ عمل الجوانح أيضاً إذا تمّ فيها أركانه.
نعم، في الامور الاعتقاديّة التي كان المهمّ فيها شرعاً و عقلًا هو القطع بها و معرفتها (لا خصوص الانقياد و التسليم القلبي) فلا مجال للاستصحاب موضوعاً بل يجري حكماً، فلو كان متيقّناً بوجوب تحصيل القطع بشيء (كتفاصيل القيامة) في زمان و شكّ في بقاء وجوبه، يستصحب بقاء الوجوب، و أمّا لو شكّ في حياة إمام زمانه مثلًا فلا يستصحب، لأنّ الواجب